Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
نبيلة حسني محجوب

العودة للحياة!

A A
رغم تزايد حالات الإصابات بفيروس كورونا كما تظهر في النشرات الرسمية لوزارة الصحة، إلا أن قرار عودة طلبة المرحلة الابتدائية وما قبلها يمثل إزاحة حجر المعاناة عن صدور أولياء الأمور، رغم بعض الأصوات التي أيَّدت الدراسة عن بعد!

الواقع والمعايشة اليومية للطلبة والطالبات أثبتت خطأ تأييدهم ومناداتهم باستمرار التعليم عن بعد، خصوصاً في الصفوف الدنيا والروضة والتمهيدي، المرحلتين المهمتين في تعليم الطفل الانتظام، وإخراجهم من أحضان أمهاتهم، ومن الأمان المستكين في المنزل إلى الفضاء الواسع، والنظام، والاندماج في أول عملية اجتماعية يعايشها طفل الرابعة والخامسة، كذلك المرحلة الابتدائية الدنيا، أي الصفوف الأول والثاني والثالث، هي مرحلة تكوينية مهمة نفسياً واجتماعياً وسلوكياً وتعليمياً.

أرى فرحة الأسر وهي تستعد وتعد أبناءها لبداية تعليم مدرسي حقيقي، يزيح عن كاهل الصغار إرهاق التعامل مع نزق الإنترنت، والجلوس الطويل خلف الشاشة، وربما فاتهم الكثير لغفوة صغيرة تسلطت عليهم فأخذتهم من الدرس، أو أنه انصرف إلى ألعابه بينما جهازه يثبت حضوره!

معاناة لم يكن لها آخر إلا بالعودة إلى الدراسة، والانتظام في المدرسة، طال صبر أبنائنا وأمهاتهم على التعامل مع الدراسة عن بعد، قصص وحكايات في كل أسرة عن معاناة الصغار، ورفض بعضهم الانتظام في الحضور خلف الشاشة.

وزارة التعليم بذلت قصارى الجهد لتيسير العملية التعليمية عن بعد، كذلك منسوبو التعليم، إلا أن الجهد الأكبر كان من نصيب الأمهات اللاتي وجدن أنفسهن ملزمات بملازمة صغارهن خلال تلقيهم الدروس صباحاً ومساء حسب اختلاف المراحل الدراسية.

مر التعليم عن بعد بعدد من الصعوبات واجهتها الأسر، أهمها ضرورة الاشتراك في الإنترنت، وتوفير أجهزة حاسوب بعدد الأبناء، أو التشارك في الأجهزة حسب المراحل الدراسية، لكن لا أحد ينكر تفاعل الجمعيات الخيرية وبعض المؤسسات الداعمة والمحسنين لتوفير أجهزة حاسوب توزع على الأسر المحتاجة، كان ذلك مع بداية اتخاذ قرار الدراسة عن بعد.

تلك العقبات قد أزيلت أو خف وطؤها على كثير من الأسر، وإن ظلت بعض الأسر المتعففة تعاني من نقص الأجهزة، وضعف الإنترنت لموقعها السكني، أو انخفاض اشتراكها، لكن استمرت معاناة الطلبة من الجلوس الطويل خلف أجهزة الحاسوب دون حركة.

لذلك تمثل العودة للمدارس عودة للحياة الحقيقية، الحياة المدرسية بكامل تفاصيلها، من طوابير صباحية، وفصول دراسية، ووقت الفسحة، هذه المساحة مهما صغرت؛ إلا أنها تمثل نشاطاً جماعياً وحركة تعيد نشاط الطلبة، وتُوفِّر طاقة إيجابية لذهنية الطلبة وأجسادهم، تساهم في استمرار اليوم الدراسي بنشاطٍ وهمة.

خلال الدراسة المنزلية يفتقد الطالب كل هذا، يفتقد التفاعل المباشر ووقت الفسحة، حتى خلال الاستراحة ربما لا يبرح مكانه، إما لأنه قد استوفى طعامه خلال الحصص، فيجد نفسه محاطاً بالفراغ، أو أنه يعود إلى حاسوبه لاستئناف ألعابه الالكترونية أو مشاهدة أفلام أو برامج تستهويه؛ وربما شغلته عن استئناف يومه الدراسي.

كل ما ذكرته تعرفه جيداً الأمهات والآباء، حتى الخائفون من العودة إلى المدرسة. لكن المناهضين ربما لا يعلمون حجم معاناة الطلبة، خصوصاً المراحل التي ذكرتها سابقاً في هذه المقالة، وربما لا يدركون أهمية المدرسة للصغار ربما لأنهم لم يمروا بتجربة التعليم عن بعد؛ مع صغار في الرابعة والخامسة حتى السابعة والعاشرة من العمر.

لا يعرفون كم أُرهقت تلك الأجساد الغضة من الجلوس الطويل وعدم الحركة، لذلك يطالبون باستمرار الدراسة عن بعد، مع أن النسبة الأكبر من أفراد المجتمع تلقت اللقاحات، والآن بدأ اللقاح للصغار من سن الخامسة، أي أن المناعة المجتمعية تتحقق بإذن الله، ولا بد للخوف والقلق أن يزولا، وأن تعود الحياة تتدفق في مجراها، وأهم مجرى للحياة هو العودة للمدرسة في حفظ الله.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X