Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد بشير كردي

هدايا تأسر القلوب

A A
لا ريب أنَّ الهديِّة تنمُّ عن حبٍّ ومبعث أُنْس، تـُقرِّب البعيد، وتصل المقطوع، وتفتح مغاليق القلوب، وتبذر المحبَّة بين الناس، ويؤكِّدها علماء النفس والاجتماع، وخطباء دور العبادة في المناسبات الدينيَّة والوطنيَّة، وتزداد قيمتها كلَّما دعت الحاجة إلى توثيق الروابط الاجتماعيَّة، بدءًا بأفراد الأسرة كبارًا وصغارًا، وبالمجتمع عامَّة لتحقيق المزيد من التعاون والتآزر في السرَّاء والضرَّاء.

تبادل الهدايا سنَّة نبويَّة تركت بصماتها في أسبانيا التي عاشت أمَّتها تحت مظلَّة الإسلام ثمانية قرون.. قرون عُرفت بالتعايش الرحيم، واحترام عقائد الآخرين وعاداتهم وتقاليدهم، ومشاركتهم احتفالاتهم وأعيادهم الدينيَّة والقوميَّة.. ولأنَّها غدت تقليدًا إسبانيًا موروثًا، تيمُّنًا بالتوجيه النبوي الشريف: {تَهَادُوا تَحَابُّوا}.. فقد اختارت إسبانيا بعد اعتناقها الكاثوليكيَّة، ومعها مجموعة الدول الناطقة بالإسبانيَّة اليوم السادس من شهر يناير من كلِّ عام (يومًا لتبادل الهدايا) على أنَّها من (بابا نويل - سانتا كلَوز)، الأيقونة الأبرز لعيد ميلاد السيِّد المسيح، وبداية العام الجديد.

يعتقد كثيرون أنَّ شخصيِّة (بابا نويل) أوجدها القدِّيس نيكولاس، أو (نيقولا) اسمه الحقيقي.. وهو من أشهر القدِّيسين الذين عاشوا في العصور الوسطى.. كان والده من عائلة مسيحيَّة ثريَّة، إلَّا أنَّه مات مُبكِّرًا بسبب الطاعون.. تمَّ إيداع نيكولاس في عام 270 ميلاديًّا في ملجأ للأطفال الأيتام في مدينة ميرا في مقاطعة أنطاليا التركيَّة حاليًّا عقب وفاة والده، ورث ثروة كبيرة.. ولكونه كان زاهدًا، قرَّر أن يوزِّعها بطريقة مختلفة، جعلته رمزًا وأيقونة خلَّدها التاريخ حتَّى اليوم.

يقول مؤرِّخون إنَّه كان يتنكَّر في كلِّ ليلة، ويخرج ليوزِّع الهدايا على الفقراء، فضلًا عن خروجه إلى البحَّارة نهارًا لتوزيع الأموال عليهم في مدينة ميرا التي كنت تعاني من ظروف اقتصاديَّة قاسية.

عُرف (سانتا) بقضاء حوائج الناس، وجالب السعادة لهم.. ظلَّت روايته حاضرة يتناقلها الأجيال ليس فقط في تركيا فحسب، بل أنحاء أوروبا كافَّة.

من (سانتا كلوز) إلى (بابا نويل)، تحوَّلت الشخصيَّة إلى ما بات يُعرف عنها حاليًّا.. وفي عام 1823، قرَّر الشاعر الأمريكي كلارك موريس وصف نيكولاس شعرًا.. فكتب قصيدة (الليلة التي قبل عيد الميلاد).. وفي العام 1881، أنتج الرسَّام الأمريكي (توماس نسيت) أوَّل رسم كاريكاتيري لشخصيَّة (بابا نويل)، تيمُّنًا بشخصيَّة (نيكولاس) مجسِّده ببدلةٍ حمراء، وبلحية بيضاء، وحذاء أسود لامعٍ.. اغتنم رجال المال والأعمال والصناعة والتسوق هذه الرسمة، فصنعوا ألعابًا وملابس مطابقة تدرُّ عليهم ثراءً فاحشًا.. تنزل الأسواق مع قرب حلول السنة الجديدة، مدعومة بتغطية إعلامَّية واسعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي المرئيَّة والمسموعة مفرغة كلَّ ما في حصَّالات الأطفال من مدَّخرات، والكثير ممَّا في جيوب ربِّ الأسرة من مال لإبقاء دوران دولاب الصناعة ورأس المال.

ما يزال أطفال العالم الغربي وكثيرون من أطفالنا يتوقون شوقًا لكسب ودِّ (بابا نويل)، ويخطُّون له قبل نومهم رسائل يضعونها تحت المخدَّة بما يتمنُّون الحصول عليه عند صحوهم من النوم.. ويطَّلع الوالدان عليها.. وتنتهي من المتجر في علبة مزيَّنة إلى غرفة الجلوس مع سواها من هدايا أفراد الأسرة. ترى كم من أطفال عالمنا العربي -وأيدي ذويهم قصيرة وعيونهم بصيرة- يحلمون بهدايا بابا نويل، ولا يجرؤون كتابة رسائل له!

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X