Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

مهبـــــب

A A
كتبت هذا المقال بداخل طائرة من طراز «بوينج 777» في رحلة طويلة قطعنا فيها مسافة حوالى عشرة آلاف وخمسمئة كيلومتر.. وهي تفوق ربع قطر الكرة الأرضية.. وبداخل المقصورة، كان الهواء نظيفًا جدًا، وكانت مخاطر انتشار الفيروسات تكاد لا تُذكر بسبب وجود الفلاتر الهوائية المتقدمة بإرادة الله.. ومن الطرائف أن الأماكن التي تجبرنا على الالتزام بالبقاء بداخلها طوال أعمارنا ليست كثيرة، ولكنها ملموسة.. تشمل المنازل، والمدارس، والجامعات، والمكاتب، وأحياناً السجون، والبوينج 777 خلال الرحلات الطويلة.. وأما المقصود بعنوان المقال فهو: التلوث الهوائي، لأن مفهوم الهباب هو الجزيئات السابحة في الهواء، سواء كانت كربونية المنشأ أو ما شابهها، وموضوع اليوم يتناول إحدى الظواهر العجيبة في حياتنا.. فضلاً لاحظ أن الاهتمام بالبيئة بشكل عام، وبجودة الهواء بشكل خاص، ينقلنا عادةً إلى عالم الطبيعة، أو على الأقل إلى خارج المنشآت، ولو فكرت في جدية الموضوع بحرص، ستجد أن حوالى تسعين في المئة من وقتنا نقضيه بداخلها.. يعني بالنسبة لي شخصياً عشت أكثر من ستين سنة بداخل منازل، ومدارس، ومكاتب، وجامعات.. والحمد لله ولا «نانو ثانية» منها بداخل السجون. غريبة أن نقضي معظم حياتنا بداخل المنشآت، ولكن ليس لدينا آليات لقياس التلوث بداخلها، طبعًا قبل عدة سنوات بدأ مفهوم «المباني الخضراء» ينتشر بين المتخصصين والعامة.. وقد سعدتُ وتشرفتُ بتحكيم دراسة دكتوراه متميزة ومهمة في مجال العمارة من الدكتور «علي السواط» في جامعة الملك سعود بالرياض.. ولكن إلى اليوم ليس لدينا معايير متفق عليها لقياس التلوث بداخل المباني، فضلاً لاحظ أن قياس استخدام الطاقة، والمياه بداخل المباني في منتهى السهولة.. والدليل على ذلك هو فواتير الكهرباء والمياه آخر الشهر.. بل وحاول أن تتخيل تعابير وجهك عند رؤية الفواتير وستجد الإجابة.. ما يسهل قياسه تسهل إدارته.. وأما جودة الهواء بداخل المنشآت، فهي لا تزال بحاجة إلى التعريف والتقنين والقياس. وعلى سبيل المثال: تأمل في المواد الطيارة النابعة من المنظفات بداخل المباني، وبالذات في المكاتب، وستجد أن بعض منها يحتاج إلى المعاينة العلمية العاجلة.. وعلى سبيل المثال الإضافات ذات الروائح الفواحة الجميلة للمنظفات، قد تُنتج بعض المواد العالقة غير المرغوبة بسبب تأثيراتها طويلة الأمد، هذا بالنسبة للمنشآت النظيفة، وأما الأقل نظافة فستجد الغبار، بالإضافة إلى العناصر الأخرى التي تتقن «الشعبطة» على الهواء.

تغيَّر مفهوم الصحة تغيُّرات جذرية خلال السنوات الماضية، فهو لا يعكس الخلو من الأمراض فحسب، بل يتعدَّى ذلك ليرمز إلى الارتقاء باللياقة الجسمانية، والنفسية، والاستمتاع بإحدى أغلى نعم الله عز وجل في جميع الأوقات.. ومعظمها بداخل المنشآت، أضف إلى ذلك أهمية المباني المختلفة في إنتاجية القوى البشرية، وستجد أن موضوعنا يحتاج إلى الاهتمام لأنه من أهم الاستثمارات المتروكة.

* أمنيــة:

لا يزال موضوع تلوث الهواء الداخلي في مراحله البدائية، ولن ينطلق بالشكل اللائق إلا عند وضع المعايير الجادة للقياس، أتمنى أن ننجح في وضع تلك المعايير وقياسها، خاصة وأننا من الشعوب التي تقضي نسبة كبيرة جدًا من وقتها؛ داخل المنشآت، وأشكر الأخ «حسن الثقفي» على إثارة موضوع صحة المباني بحماس، وأخيرًا أذكّر الجميع أننا نتنفس أكثر من عشرين ألف مرة يوميًا، وكل نفس يستحق الاهتمام.. فلنُقلِّص الهباب بتوفيق الله.. وهو من وراء القصد.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X