Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

مـــــــــاكس

A A
خلال شهر من الآن، سأسافر - بمشيئة الله - على متن طائرة من طراز بوينج 737 «ماكس»، وهي أشهر طائرة في تاريخ الطيران المدني اليوم لعدة أسباب، منها: لأنها غيَّرت سمعة شركة بوينج المرموقة بسبب مجموعة أحداث تحتاج وقفات تأمُّل. بدأ إنتاج طراز 737 «الأم» عام 1967، وباعت الشركة أكثر من عشرة آلاف طائرة لثلاثمائة وأربعين شركة طيران في أكثر من مائة دولة.. ونقلت - بسلامة الله - منذ تقديمها؛ أكثر من عشرين مليار راكب.

وقد خدمت في المملكة خلال الفترة بين 1972 إلى 2006 محلياً. كانت عماد أسطول الخطوط الجوية العربية السعودية، والذي كان يشمل عشرين طائرة من ذلك الطراز، لتغطي جميع مطارات المملكة بسلامة وفعالية. وكانت من أهم منتجات شركة البوينج، بل وشكَّلت الهيكل الرئيس للنقل الجوي للمسافات القصيرة حول العالم. وأنتجت الشركة أربعة أجيال مختلفة كل منها قدَّم تحسينات في الأداء، والاقتصاديات. وجميع الطرازات كانت مرقَّمة 100-737 ثم 200-737 ثم 300-737 ثم 400-737 ثم 700-737 ثم 800-737 ثم 900-737 وأخيرًا في عام 2013، قلَّصت أهمية الأرقام، وقدَّمت طراز «الماكس»، لتتوّج الطراز التاريخي بأحدث الإضافات في السلامة، والدفع، والتحكم، والسعة، والراحة. وكان هذا ضرورياً بسبب المنافسة من شركة «إيرباص» الأوروبية، التي قدَّمت التحسينات على طائرتها من طراز 320 «نيو» المطورة، التي تنافس الـ 737، منافسة أشد من البيبسي والكوكا كولا في عالم المشروبات..

ومن التويوتا والهونداي في عالم السيارات.. ومن أبي نار والحلواني في عالم الحلويات. وهنا أود أن أتوقف لأعلن عتبي الشديد واستيائي لتصرفات شركة بوينج التي كانت المثل الأعلى للوجاهة الهندسية في النقل الجوي..

وضعت الشركة نظام حماية للتحكم في مناورات الطائرة بدون إخطار الطيارين، كأحد أغرب الإجراءات في عالم الطيران. النظام اسمه «إم كاس»، وكان رائعاً على الورق، ولكنه لم يكن مدروساً بشكلٍ يليق بمكانة الشركة، ولا بُعظِّم مسؤولية الأمانة على أرواح الركاب. وتسبب في سقوط طائرة بوينج 737 «ماكس» تابعة لشركة طيران «لايون» بتاريخ 10 أكتوبر 2018 شمال جاكرتا ووفاة جميع ركابها وعددهم 189. وبعد الكارثة لم تقم الشركة بمعالجة الموضوع بجدية لائقة، وكان الهمس في أروقتها أن الخطأ على الطيارين الأجانب.. ووعدت بأنها ستُصلح الخطأ خلال بضعة أسابيع.. وبعدها سقطت طائرة أخرى من نفس الطراز تابعة للخطوط الإثيوبية بنفس السبب جنوب مطار أديس أبابا بتاريخ 10 مارس 2019، وتوفي ركابها الـ 149.

وبدأت ردة فعل قوية تزعَّمتها مجموعة من هيئات وإدارات الطيران المدني حول العالم، وفي مقدمتها الصين، فمنعت طائرة البوينج 737 «ماكس» من الطيران إلى أن يتم تصحيح الخلل المميت. وبقى الحال لمدة حوالى 617 يوماً، خسرت الشركة خلالها حوالى نصف قيمة أسهمها، وما يُقدَّر بستين مليار ريال في مبيعات ضائعة، وحصة سوق متلاشية، وغرامات مالية من الجهات الرسمية، والأهم من كل هذا، خسرت إحدى أهم مكونات سمعتها الهندسية الرائعة في عالم الطيران. وتم معالجة الخلل بطرق مختلفة من الشركة، فعادت إلى الطيران بدءاً من تاريخ 18 نوفمبر 2020، واستعادت ثقة العديد من الركاب.. وكما ذكرت أعلاه، فأنا أحد ممَّن يتطلعون إلى الطيران على متنها، بالرغم من عتبي الشديد على ثقافة السلامة خلال أزمتها.

واليوم لا تزال طائرة «الماكس» هي الأكثر نجاحا لشركة بوينج، فتوجد أكثر من ثلاثة آلاف طائرة على قائمة الانتظار، بالرغم من سعر الطائرة الذي يفوق الأربعمائة مليون ريال.

* أمنيـــــــة:

إحدى ممارسات ثقافة التحقيقات في حوادث الطيران المدني تشمل؛ وضع اللوم على الطيارين، كما انعكس في قضية طائرة البوينج 737 «ماكس». وطبعا عندما يكون الطيار أجنبيا، سيأخذ اللوم جوانب أكثر إثارة.. أتمنى أن نرى المزيد من الجهود لحماية الطيارين بشكلٍ عام، وبالذات في تحقيقات الحوادث الكبرى.. والسلامة طبعا هي المتطلب الأول في النقل الجوي، وهي أولا وأخيرًا بإرادة الله عز وجل، وهو من وراء القصد.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X