Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
سهيلة زين العابدين حماد

الأزمة الأوكرانية الروسية.. أسقطت أقنعة الغرب!

A A
من مبررات الرئيس «بوتين» لعمليته العسكرية ضد أوكرانيا، حماية أمن بلاده، بإسقاط نظام الحكم في أوكرانيا لموالاته للغرب، وتمثيله للنازيين الجُدد، وذلك لتحييد أوكرانيا وعدم انضمامها إلى الناتو.

وعند رجوعنا بالذاكرة إلى 2002م نجد أنَّ مبررات «جورج بوش» لغزوه العراق، الإطاحة برئيسه لأنّه يُمثِّل تهديدًا للسلام العالمي، ونزع سلاح العراق لامتلاكه أسلحة الدمار الشامل التي تُشكِّل خطرًاً على أمن الولايات المتحدة، وهذه المبررات لا تختلف عن مبررات بوتين، فأوكرانيا تقع مباشرةً على حدود بلاده بطول (402) كلم، وتبعد موسكو عن أقرب نقطة في الحدود الأوكرانية أكثر من (480) كلم، أمّا العراق ليست على حدود أمريكا، بل تبعد عنها 11129 كلم، فأين الخطر الذي يُهدِّد أمنها؟ ورغم إقرار بوش بأنّ امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل مجرَّد كذبة، لأنّه لم يوجد دليل على امتلاكه لها، وقد كانت قوات التحالف التي دخلت العراق في 20 مارس 2003م بقيادة أمريكا قوامها 200 ألف جندي بدون تفويض من الأمم المتحدة.

وكشف موقع «غلوبال ريسيرج» المتخصص في إحصاءات الحروب ونتائجها، بلوغ عدد ضحايا تبعات الاحتلال الأمريكي للعراق 2,4 مليون عراقي قُتِلُوا منذ غزو البلاد 2003م إلى الآن.. إضافة إلى ملايين اللاجئين، وعشرات الألوف من المُشوّهين من إشعاعات القنابل، مع نهب بترول وثروات العراق، وتعذيب السجناء في سجن أبي غريب ببغداد.

ولم يكتف بهذا؛ إذ نجد أمريكا أوجدت تنظيم داعش الإرهابي وسلّمته العراق، وبعد أن ادّعت قضاءها عليه، سلّمته لإيران التي ملأته بمليشياتها المسلحة، لإخضاعه لنفوذها، ولم تشهد العراق استقرارًا وأمانًا منذ احتلالها إلى الآن.

ورغم هذا، لم تُفرض عقوبة واحدة على أمريكا وبريطانيا، ولم يُحاكَم «بوش وبلير» جنائيًا، ولم تقم تحقيقات في الجنائية الدولية على ما ارتكبته أمريكا وبريطانيا من جرائم حرب في العراق، كما ستقام الآن على بوتين.. بينما نجد أمريكا والتكتلّات الأوروبية المتمثلة في دول الناتو، والاتحاد الأوروبي، والدول السبع، فرضت منذ اليوم الثاني للعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا عقوبات صارمة على اقتصاد روسيا وبنوكها بإخراجها من نظام سويفت البنكي، وعلى طيرانها بمنع مروره بأجواء (36) من الدول الغربية، وكذلك منع عبور سفنها بالمياه الإقليمية لتلك الدول، مع انهمار الأسلحة على أوكرانيا من أمريكا والدول الأوروبية بمئات ملايين الدولارات، مع فتح الدول الأوروبية -المجاورة لأوكرانيا- حدودها وبيوت بعض أفراد شعوبها للاجئين الأوكرانيين، بينما نجد العرب الذين اضطروا إلى اللجوء لأوروبا جرَّاء غزو الغرب لبلادهم، قد أغلقت تلك الدول حدودها أمامهم؛ إذ أظهر لجوء الأوكرانيين فروقًا كبيرة في تعامل الدول الأوروبية بينهم وبين اللاجئين العرب، فقد تغيّرت لهجة بعض قادة الدول الأوروبية الذين سبق لهم التعبير عن آراء معادية للهجرة، حيث صرَّح رئيس الوزراء البلغاري كيريل بيتكوف قائلاً عن المهاجرين الأوكرانيين: «هؤلاء ليسوا بلاجئين ممن اعتدنا عليهم، فهؤلاء أوروبيون أذكياء متعلَّمون».

وانتشرت عبر وسائل التواصل فيديوهات تحت وسم: #أفارقة_في_أوكرانيا، تُظهر طلابًا أفارقة وهم يُحرمون من الصعود على متن القطارات التي تحمل الناس خارج أوكرانيا، حتى يُفسحوا المجال لنقل الأوكرانيين.. مما دفع الاتحاد الإفريقي إلى القول: «من حق أي شخص عبور الحدود الدولية هربًا من النزاع».. وهكذا نجد أنَّ الحرب الروسية الأوكرانية قد أسقطت أقنعة الغرب، إذ تبيّن أنَّ الإنسان الذي يعملون على حماية حقوقه، هو الإنسان الغربي والإسرائيلي فقط، أمَّا سائر شعوب العالم، فلا حقوق لهم في أعرافهم.

أمريكا أشعلت أكثر من مائتي حرب أبادت فيها ستين مليونًا من البشر، ولم تُفرض عليها عقوبات، بل أعطت الضوء الأخضر لإسرائيل وتركيا وإيران لانتهاك أمن وسيادة فلسطين ولبنان وسوريا والعراق وليبيا واليمن، من خلال الجيش الإسرائيلي، وميلشيات إيران، ومرتزقة تركيا. وهذا يكشف لنا ازدواجية المعايير لدى الغرب، فما أُبيح لبوش حُرِّم على بوتين، لأنَّه اخترق الخط الأحمر بغزوه بلدًا أوروبيًا، ولكن ما حُرِّم عليه في أوروبا أُبيح له في سوريا، ولأنّه من المستهدفين لتحجيمه، وإضعاف اقتصاد بلاده، فأمريكا مُتشبِّثة بأن تظل القطب الأوحد في العالم، وهذا يُبرِّر حيادية الصين حليفة روسيا، لئلّا تُسلّط عليها سهام الغرب لتحجيمها وضرب اقتصادها.

وبعد أن اتضح لنا هذه الحقائق، فقد آن الأوان أن ينبذ أبناء الوطن الواحد في بلادنا العربية النعرات الدينية والطائفية والعرقية، وأن ينحازوا جميعاً إلى أوطانهم وقياداتهم، ويعملون لبناء أوطانهم، وكفانا نحن العرب تقرُّقًا وتشرذمًاً، حتى أصبحنا مطمعًا للغربيين، فعلينا أن نُشكِّل تكتلًا عربيًا قويًا لمواجهة كل التحديات، وأن نعمل نظامًا بنكيًا عالميًا موحدًا يُعادل نظام سويفت الأوروبي، وأن ننشئ منصّات عالمية للتواصل، لا تقل عن تويتر وفيس بوك.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X