Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محسن علي السهيمي

مساحات تويتر الأدبية

A A
جاءت مساحات تويتر فتحًا تقنيًّا باهرًا، اختصر الزمان وقرَّب المكان ورفع الكلفة والتكلفة. مساحات تويتر تجمُّعٌ افتراضيٌّ عبر الحسابات التويترية على شاشات الأجهزة الذكية، يجمع نُخبًا وأسماءً رائعة، وتتنوع اهتماماته بحسب اهتمامات مُنشِئي هذه المساحات ومرتاديها، والغلبة في العادة للمساحات التي تُعنى بالثقافة - وخاصة الأدب، والشعر على وجه أخص - ثم القضايا الفكرية الفلسفية، وهموم التعليم والأحداث السياسية، وتطوير الذات والجدالات الرياضية وغيرها. جاءت مساحات تويتر - وأعني هنا المساحات الأدبية - لتقفز على حواجز الشللية والمجاملات التي احتكرت بعض المؤسسات الثقافية، ولتفتح المصاريع واسعة أمام الشعراء، لينثروا إبداعاتهم دون قيود ولا حواجز، جاءت لتمد جسور التواصل بين أطراف الوطن العربي، بل وأطراف العالَم بكل أبعاده، جاءت لتُوسِّع دائرة الإبداع ومساقط الضوء، لتشمل أركانًا وزوايا لم يُلتفَت إليها. هذه المساحات الأدبية على تويتر يراها الشاعر عبدالهادي صالح في مقاله بصحيفة الوطن، «ميدانًا مناسبًا لبث الوعي الأدبي والمعرفي»، ويرى أيضًا «أن هذه المساحات الرقمية ستُوفِّر جمهورًا كبيرًا من مختلف بلدان العالم، ومكانًا مجانيًّا يفد إليه الحضور في سهولةٍ وسلام، يفوق ملتقيات الأدب ومؤتمرات البحث العلمي النخبوية»، في السياق ذاته لا تغيب عنَّا منصة (زووم) التي بدورها خدمت الأدب، لكنها ليست بفاعلية (مساحات تويتر)؛ فالدخول إليها يتطلب بعض الإجراءات، ثم إن البث المباشر للمُتحدِّث ليس بتلك الجودة والوضوح في الصورة والصوت، وغير ذلك من العوائق التي تجعل من مساحات تويتر متفرِّدة عن منصة (زووم) وغيرها. مساحات تويتر (الأدبية) ترتادها شرائح متعددة ممَّن يتعاطون الشعر ويبدعونه، وقد ساهمتْ في التعريف بأسماء إبداعية في نواحٍ متعددة من الوطن العربي لم تكن لتُعرف لولاها، هذا الأمر ربما سبَّب صدمة لأسماء كانت تستحوذ على الساحة الشعرية، وكان لها الصدر في كل مناسبة ومنبر ووسيلة، ولذا رأينا حالة من التجافي تُبديها تلك الأسماء مع هذه المساحات؛ ربما اكتفاءً بما حصَّلتْهُ وربما استعلاءً، وربما أنها مصدومة بهذه النقلة التي حظي بها شعراء كُثُر.

المساحات الأدبية في تويتر لازالت في أولى خطواتها، لكنها تتميز عن (الأمسيات الشعرية التقليدية) في المؤسسات الثقافية بالتنوع في أسماء الشعراء؛ فأنت تجاور - في وقت واحد - شعراء من الشام والخليج والعراق ومصر وبلاد المغرب واليمن وغيرها، وهذا ما لا تستطيعه تلك المؤسسات الثقافية، يُضاف إلى ذلك كثافة الحضور الطاغي - أحيانًا بالمئات - الذي تشهده هذه المساحات، وهو ما لا تستطيعه المؤسسات الثقافية أيضًا، يُضاف إلى ذلك سهولة الانضمام، بل والمشاركة، خاصة إذا كان عدد المشاركين معقولاً، وزد على ذلك حضور أسماء نقدية لها وزنها، مما يثري المساحة ويزيد بهاءها.

التنوع في هذه المساحات الأدبية أمرٌ مطلوب، ولذا تأتي بعض المساحات مفتوحة لمن يرغب في المشاركة مع حضور النقد والتصحيح، وفي بعضها تتم استضافة شاعر أو شاعرين - بوصفهما فارسَي المساحة - ليُلقيا قصائدهما ثم يُسمَح بالمداخلات، وفي بعضها تكون المساحة نقدية بحتة، بحيث يتم تخصيصها لشاعر ما يُلقي قصائده، ثم يتم تناولها بالنقد من قِبل ناقدَين أو ثلاثة. الأمر الملاحظ في (المساحات الأدبية) هو أن معظم ما يشغلها هو الشعر - خاصة الشعر العمودي والتفعيلي - اللذين اكتسحا المساحات الأدبية، بل لا تكاد تجد مكانًا للسرد (الرواية والقصة)، وهذا ربما يعود لطبيعة هذه المساحات التي تتماشى مع سرعة العصر، وتحفل بالإيقاع أكثر من السكون، وهو ما لا يتوافر إلا في الشعر (العمودي - التفعيلي).

فاعلية مساحات تويتر وتوهّجها، جعل بعض الصحف تلتفت إليها وتُفيد منها، فتُخصِّص مساحات على حساباتها في تويتر لقامات فكرية وثقافية، أو شخصيات سياسية أو حتى قضايا رياضية، ثم تجعل منها مادة صحفية رائعة في اليوم التالي، وقد شهدت تلك المساحات حضورًا (مئويًّا) لم ولن يتوفر في غيرها. فشكرًا لمساحات تويتر التي قلبت الموازين، وزلزلت وأنصفت وأبرزت وأروت، فأصبحت حدائق غناء يدلف إليها الشعراء، فتذهب أشعارهم في الآفاق، وهو الأمر الذي لا يتحقق إلا عبر هذه المساحات التويترية الأدبية.

abuebrahem635@ Mashr-26@hotmail.com


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X