Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

أنتونــــــــوف

A A
تعلمتُ الطيران في أحد المطارات الصغيرة في ولاية «أوريجون» في الولايات المتحدة الأمريكية منذ حوالى أربعين سنة، وفي أسطول طائرات التدريب في المطار، كانت هناك طائرة غريبة لا يجرؤ على قيادتها إلا «قبضايات الطيارين»، لأنها كانت «دبة».. كانت ضخمة جداً، بالرغم من أنها كانت مزوَّدة بمُحرِّك واحد.. أُطلق عليها اسم «أنوشكا»، ولكن اسمها الرسمي هو «أنتونوف 2»، وكانت أوكرانية الصنع.. ولم تتميز بحجمها فحسب، فشكلها كان غريباً جداً، لتصميمها الذي يشمل طابقين من الأجنحة الكبيرة.. وكانت تستطيع الطيران بسرعات بطيئة جداً، لدرجة أنها تبدو وكأنها تقف في الجو.. وتميَّزت بقُدراتها على استخدام مدرجات قصيرة غير معبّدة، مثل شوارع جدة أيام زمان، وتألقت بقدرات نقل حمولات كبيرة، وكانت تستخدم في مطارنا لتدريب المظليين.. وللعلم، كان تصميمها ناجحاً لدرجة أنها أُنتجت في الاتحاد السوفيتي، وأوكرانيا، والصين، وبولندا لفترةِ أكثر من ستين سنة بدون انقطاع، يعني يمكن وصفها «بالعجوز حمَّالة الأسية»، وكانت من الأكثر إنتاجا في العالم.. وأتذكَّر أيضاً عند دراستي في مصر الشقيقة، أنني كنتُ أرى عشرات طائرات النقل «الأنتونوف ١٢» الجبَّارة في قاعدة «ألماظة» الجوية، بالقرب من مطار القاهرة الدولي، وكانت عماد النقل في القوات الجوية المصرية لفترةٍ دامت أكثر من عشرين سنة، باختصار، كانت طائرات أنتونوف الأوكرانية من أكثر طائرات النقل رواجاً في العالم.. وقبل حوالي عشر سنوات، اشتركت تلك الشركة مع المملكة لإنتاج طائرة الأنتونوف/ تقنية السعودية الأوكرانية المشتركة من طراز «إن 132» للنقل الحربي، والتي طارت لأول مرة عام 2017، علماً بأن المشروع توقَّف في إبريل 2019م، والدماغ المُحرِّك لتلك الطائرات كان المهندس الأوكراني «أوليج أنتونوف»، الذي أسس الشركة باسمه في الاتحاد السوفيتي؛ عندما كانت أوكرانيا جزءاً من ذلك الكيان.. وكرَّس جهوده لتصميم وتصنيع طائرات نقل متميزة، فتم إنتاج حوالي 22 ألف طائرة خلال فترة 75 منذ إنشاء الشركة، وتوجت الشركة عملها في منتصف الثمانينيات عندما صممت أكبر طائرة في العالم، وأُطلق عليها اسم «الإم مريا» ٢٢٥، ومعناها الحلم باللغة الأوكرانية.

كان يصل وزنها عند الإقلاع إلى ستمائة وأربعين ألف كيلوجرام، وهي الأثقل في العالم، وكان طولها 84 متراً، وعرض جناحيها 88 متراً، مما يجعلها الأضخم على الإطلاق في تاريخ الطائرات العاملة. جدير بالذكر أن الاتحاد السوفيتي كان في سباق مع أمريكا في عالمي التسليح والفضاء، وتم تصميم نسخة طبق الأصل من المكوك الفضائي الأمريكي، وأطلق عليها اسم «بوران»، ومعناها العاصفة الثلجية.. وكانت تقلع من قاعدة «بياكنور» في كازاخستان، ولكن هبوطها وصيانتها وتركيب معظم أجزائها كان في مناطق أخرى، ولذا تم تعميد أنتونوف لتصميم الطائرة لكي يمتطيها المكوك السوفيتي.. وخلال الشهر الماضي، في إحدى العمليات العسكرية في الحرب الأوكرانية، أصيبت الطائرة إصابة بالغة فدُمِّرت. وتهافتت عليها الآهات كما انهالت الاتهامات على الشركة بالإهمال، وخصوصاً أنها كانت النسخة العاملة الوحيدة في العالم.

* أمنيـــــة:بالرغم من أهمية طائرة الأنتونوف «الحلم»، وبالرغم من أن فقدانها سيترك ثغرة مهمة لمُحبِّي التميُّز الهندسي، إلا أن هناك خسائر أهم وأكبر من اختفاء هذه الأيقونة المهمة، وقطاع الطيران بشكلٍ عام، وهي الخسائر البشرية والعمرانية في الحرب الروسية الأوكرانية. أتمنى أن ترتقي الحلول السلمية لإيقافها فوراً، فهذه وصمة عار على الحضارة، وهي لا تُرضي الضمير العالمي، والأهم من ذلك أنها لا تُرضي الله عز وجل، وهو من وراء القصد.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X