Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
نبيلة حسني محجوب

تعليق الدراسة في رمضان

A A
تختلف الفصول المناخية خلال العام، وبناء عليه تختلف بداية ونهاية العام الدراسي، الذي ينتهي عادة مع بداية فصل الصيف، حيث تبدأ الإجازة الصيفية الطويلة للطلبة والطالبات، والكوادر التعليمية، ولأن شهر رمضان آخذاً في الابتعاد عن فصل الصيف عاماً بعد عام، كان من الضروري انتظام الدراسة فيه هذا العام، بعد سنوات طويلة من احتساب شهر رمضان إجازة دراسية بكامله. هذا الركون الطويل إلى تعطيل الدراسة في شهر رمضان، أحدث هذا الذعر الاجتماعي من انتظام الدراسة في هذا الشهر الفضيل، فارتفع موَّال مناشدة المسؤولين بمختلف المقامات، بأصوات أطفال وشباب، ومن كل الحناجر وعبر مختلف المنصات، تعزف نغمة واحدة، وهي تعليق الدراسة في رمضان، أي استمرار الوضع على ما كان عليه عندما كان شهر رمضان في فصل الصيف، وكانت الإجازة تأتي متوافقة تماماً مع موعدها، ومناسبة لفصلٍ شديد الحرارة، ويومٍ طويل جداً؛ لكن لحُسن الحظ، تصدَّعت أصداء كل المواويل على جدار صمت المسؤولين، وانتظم الجميع في الدراسة، حيث أصبح الأمر إلزامياً للجميع.

هناك أيضاً من القوم مَن نَادَى بعودة الدراسة عن بُعد، دون تفكير في مَن تقع عليه مسؤولية متابعة الأبناء في المنزل، خصوصاً إذا كانوا في مراحل دراسية أولية، وكان الوالدان يعملان في أي قطاع حكومي أو خاص، وما ينتج عن بقاء الصغار في المنزل دون متابعة الأبوين الدراسية في الفترة الصباحية، ومتابعة انتظامهم الدراسي عن بُعد، بَعد أنَّ منَّ الله عليهم بعودة انتظام الدراسة بعد جائحة كورونا.

رمضان، شهر واحد في العام، لا أُنكر أننا نتحرَّق شوقاً إلى روحانية أيامه، وشفافية لياليه، فالأمر لدى الكثيرين كذلك على وجهٍ ما، حيث يستحق هذا الاحتفاء الروحي، لكن هذا لا يعني تعطيل الدراسة والأعمال والأنشطة الأخرى خلال شهر رمضان، لأن الله سبحانه وتعالى لو أراد؛ لعطَّل وظائف الجوع والعطش والغرائز، والنزوع إلى الاجتماع مع الأهل والأحبة.

جمال الطاعة، وقيمة العبادة، تنبثق من نبع المجاهدة التي تختلف نسبتها باختلاف البشر، يقول الدكتور عبدالوهاب المسيري: «الحياة تقوم إذا قمنا بواجبنا، ويتم ذلك بتضافر العناصر المادية والروحية والاجتماعية، وهي أنشطة تتفاعل فيما بينها ليكتمل معنى الحياة والترقي خلال السير في مجراها». الصلاة في رمضان تُمثِّل قمّة النشاط الروحي، المادي والاجتماعي، لذلك تَميَّز بها هذا الشهر برغم أن «الصوم» هو العمود الفقري لرمضان، إلا أن الحرص على صلاة التراويح في المساجد؛ أصبح ضرورة يومية لدى الجميع، وهو مظهر ديني وروحاني يُضفي على رمضان لون مختلف من الروحانية الاجتماعية. تبادل الفعل بين الأنشطة المختلفة لا يُعطِّلها شهر رمضان، بل يُفعِّلها ويُنمِّيها، ليكتسب فيهِ الإنسان مزيداً من الترقي، حتى الدعوات على سفرة رمضان: «من أفطر صائماً فله مثل أجره»، كُنَّا نستعد لتلبية الدعوات، أو دعوة الأهل والأحبة، بسعادة بالغة كي نحصد أجر كل المدعوين على مائدتنا الرمضانية.

هذه المواويل النشاز التي تدعو إلى توقُّف كل نشاط في رمضان، بدعوى التفرُّغ للعبادة ارتفعت زمن الصحوة، حتى قبل سنوات، وبعضها يُحاول تجربة هيمنة صوته في موضوع يجد قبولاً في الوسط الطلابي، أو بعض الكوادر التعليمية، وبعض الأسر التي ربَّما تركن إلى الراحة أكثر من ركونها إلى مستقبل صغارها العلمي، لكن إصرار الوزارة على إمضاء قرارها، أثبت لهم بما لا يدع مجالاً للشك، بأن أصواتهم نشاز، وأن دعواهم باطلة، وأن القرار الوزاري لا يخضع للهوى، بل المصلحة العامة هي الأصل وهي الثابت.

مَن يُفضِّلون عُطلة دراسية رمضانية، هم يُحرِّضون على إهدار الوقت، ومزيد من التكدس والازدحام الليلي، لأن الجميع سيقضي يومه في نوم عميق، وليله متنقلاً إما بين القنوات لمتابعة مسلسلات رمضان، كما يُطلقون عليها، أو هائماً في الشوارع والمراكز التجارية، أو المطاعم والمقاهي.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X