Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

معــــــــــادن

A A
خلال الحروب، تدار بعض أهم المعارك في أماكن غير متوقعة، ومنها الأنشطة الغريبة بداخل المناجم، لأن بعض المعادن تُغيِّر موازين القوة بطرق غير متوقعة، فخلال الحرب العالمية الأولى كانت تتربع ألمانيا على عرش علم الكيمياء، وكانت تتمتع أيضا بريادة عالمية في الأبحاث، والتنجيم، والتصنيع، في السلم والحرب.

وأحد الاكتشافات التي خرجت من معاملها كانت لعنصر اسمه «موليب دينوم» على وزن «مو ليا بدا النوم»، ولم يكن معروفا في عالم الكيمياء.. ولكن علماء ألمانيا اكتشفوا أن إضافة هذا العنصر للحديد أثناء تصنيع المدافع الكبيرة كان «يُهذِّب» ذرَّاته، فيضيف درجة تحمل هائلة للحرارة الناتجة عن استخدام القذائف الضخمة. وتميزت ألمانيا باستخدام المدفعية العملاقة من طراز «بيرثا الكبيرة»؛ التي كانت تطلق قذائف يعادل وزنها تقريبا وزن سيارة «تويوتا يارس» لمسافة تفوق المسافة بين مكة المكرمة ووسط جدة. ونتجت عن ذلك عملية استخبارية مشبعة «بالفراخة» للحصول على العنصر من مناجم أمريكا وتصديره لألمانيا في سرية كاملة. وبعد تلك العمليات بحوالى عشرين سنة، وخلال فترة الحرب العالمية الثانية، تكررت القصة مع عنصر «التنجستن»، الذي كان يضيف قوة هائلة للحديد، فاستخدم في القذائف المضادة للدبابات. وكان المصدر الرئيس للمعدن هو جمهورية البرتغال.. ثم في آخر سنوات تلك الحرب؛ تحوَّل الاهتمام إلى عنصر «اليورانيوم» في مناجم الكونجو الإفريقية.. وكانت هناك سرية كبرى، لأن ذلك العنصر المشع كان سيستخدم في تصنيع القنبلة النووية، وكانت إحدى أهم أسرار الحرب. وخلال الحرب الباردة التي قامت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال القرن العشرين، في مطلع الخمسينيات الميلادية، سطع نجم تقنيات طائرات التجسس، وعلى رأسها طائرة الطير الأسود «اس آر 71» الأمريكية الشهيرة. وكانت سابقة لزمانها، فكانت تحلق على ارتفاعات تفوق السبعين ألف قدم على سرعة تعادل ثلاثة أضعاف سرعة الصوت.. وتطلب ذلك تصنيع بدن الطائرة من عنصر «التيتانيوم» الذي لم يستخدم مسبقا في صناعة الطائرات. وكان المصدر الأساس للمعدن هو روسيا.. يعني كانت أمريكا تحصل على ذلك العنصر من الاتحاد السوفيتي لتصنيع طائرات للتجسس عليها.. جرأة أغرب من الخيال.

واليوم في خضم الصراع الروسي الأوكراني نشهد أزمة جديدة، وهي حجب تصدير «التيتانيوم» الروسي إلى دول أوروبا وأمريكا. جدير بالذكر أن روسيا من أهم المصادر لهذا العنصر، وهو من الاحتياجات الأساسية في العديد من التطبيقات الطبية وصناعة الطلاءات، ولكن الأهم من كل هذا، هو صناعة الطائرات الحديثة، لأنه أقوى من الحديد، ولكنه أخف وزنا. ويستخدم ضمن خلطات المعادن في تصنيع أبدان الطائرات، ويستخدم أيضا في تصنيع العجلات.

* أمنيـــــــــــــة:

توجد معادن أهم من تلك التي نجدها في المناجم، وهي معادن البشر التي تظهر جليا خلال الحروب، والكوارث، والأزمات. أتمنى أن تكون كافية ولائقة لإنهاء الحروب المندلعة حول العالم اليوم، لوقف التجاوزات ضد الإنسانية، وهي أهم المعارك.. والله من وراء القصد.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X