Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
نبيلة حسني محجوب

التكدس الدرامي في رمضان!

A A
إذا كان الشيء خارج إدراكك، أو بعيداً عن مجال رؤيتك، فهذا لا يعني عدم وجوده، كثير مِنَّا يُنكر بعض الحقائق الاجتماعية، لأنها خارج إدراكه أو بعيداً عن مجال رؤيته، أو أنه لم يمر بتجربةٍ شخصية أو أسرية، عائلية أو اجتماعية تقترب منها.

عندما قرأت رواية: «نساء تحت خط الاستواء» لزينب حفني، استنكرتُ وجود نماذج نسائية تُشبه الموجودة في الرواية، بما أننا نقرأ العمل الروائي على أنه سيرة ذاتية، وتجارب شخصية للكاتب، وكنتُ حديثة عهد اجتماعياً، محدودة بمحيطي العائلي الجميل في مكة، وأُسرتي الصغيرة حديثة التكوين في جدة، وصديقات وزميلات من نفس البيئة الاجتماعية، فلم أتقبَّل ذهنياً، وربما نفسياً، وجود تلك النماذج المنحرفة في مجتمعي، حسب فلسفة «جون لوك» في المعرفة: «فاعلية الذهن البشري بما يستقبله من إدراكات»، فالذهن بدون مدركات يتلقاها عن طريق الحواس يشبه صفحة بيضاء.

لذلك يكون الطفل في حالة دهشة أمام أبسط الأشياء، حتى تمتلئ صفحة الذهن البيضاء بكل الألوان، حسب ما يُواجهه في الحياة وحسب بيئته، ثقافته، قدرته على الفهم والنقد، والانتقاء أو الاختيار، فالمبادئ الأخلاقية ليست فِطرية حسب «لوك»، لأن كل أمة وشعب لديها مبادئ أخلاقية خاصة بها، وربما تعتنق الشعوب مبادئ متناقضة، لذلك تختلف نسبة الخطأ والصواب بين الأمم والشعوب.

عندما بدأت الكتابة الصحفية في جريدة المدينة، وبدأت تهطل عليَّ رسائل القراء، اكتشفتُ أن هناك أشكالاً كثيرة للحياة لم تمر بي ولم أمر بها، لكنها موجودة ولا يمكن إنكارها، كذلك كلما تقدمتُ في العمر، كثرت تجاربي الثقافية والاجتماعية، وتشعَّبت علاقاتي، فأصبحت أكثر قناعة بأنه لا شيء مستحيل في الحياة، وأن من شبَّه الحياة بالغابة ليس مبالغاً، أو أن الحياة تُشبه المحيط تحت مياهه الهادئة تصطخب الحياة والصراع من أجل البقاء، هذا الصراع ليس فقط في الغابة، بل في الحياة، لذلك تُقدِّم لنا الدراما والمسرح والسينما هذا الصراع في شكل فني، وتُوسِّع مداركنا ورؤيتنا.

يقول «جوتة»: «الفن هو الفن وليس الحياة»، والدراما: كسر لمسيرة هذه الحياة، وهي تُبهر المُشَاهِد بشخصيات ربما لم يتعرّف عليها في الحياة الواقعية، وربما بمواقف وأساليب على قدر إدهاشها؛ تكون صادمة أيضاً لقسوتها، لذلك تشكل الدراما التلفزيونية شغفاً متصاعداً لدى الجمهور، وللدراما تأثير فكري ونفسي وسلوكي على الجمهور المستهدف، أي أن الدراما صناعة فنية مدروسة ومتقنة، وليست تهريجاً ونقلاً للحوادث والأخبار الجدلية التي تحدث في المجتمع طبق الأصل، كما يحدث في بعض أو جُل الدراما المعروضة في رمضان للأسف.

لكن في الحقيقة، لا أعرف ما هي الحكمة من ربط الأعمال الدرامية بهذا الشهر الفضيل، وتداول عبارة: «مسلسلات رمضان»، في البرامج والإعلانات التي تسبق الشهر الفضيل، حتى أصبح تداول تلك العبارة على ألسنة الناس أمراً طبيعياً!!.

لا علاقة بشهر رمضان، شهر الصيام والقيام، شهر القرآن، بهذا الغث الذي يغطي ساعات الليل والنهار في هذا الشهر الفضيل، فقط هو الفِكر التسويقي الاستثماري، الذي استثمر الأوقات التي تجتمع فيها الأسرة بعد الإفطار حتى صلاة العشاء، لكن كثرة العرض، والحرص على استثمار أوقات الشهر الفضيل لبث مسلسلاتهم، أحدث كل هذه الفوضى، وأحدث هذا الربط الغريب بين الشهر الفضيل والأعمال الدرامية، الجيِّد منها والرديء!!.

منذ بداية التلفزيون، ارتبطت بعض البرامج والمسابقات الثقافية والفنية بموعد بعد الإفطار، كان مسلسلاً واحداً تجتمع عليه الأسرة، ومسابقة ثقافية أو فنية فقط لا غير، لكن زيادة قنوات البث التلفزيوني الفضائي، بل كثرتها، أحدث هذا التكدُّس الدرامي في رمضان، وارتبط رمضان بالدراما التلفزيونية، وهذا الخطأ الشنيع الذي يجب تصحيحه قبل أن تمتلئ الصفحات البيضاء في أذهان الأجيال بهذا التلازم المعيب!!.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X