Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد بشير كردي

شهادة تاريخية على جرائم (إنسانية)

A A
دخل التلفزيون بيوتنا مع بدايات الخمسينيَّات من القرن العشرين المنصرم، متصدِّرًا المجالس وغرف المعيشة، وجامعًا أمام شاشته أفراد العائلة والجيران.. وكان من بين المشاهدين من يفرك عينيه للتأكُّد من سلامة نظره وهو يتابع مقدِّم البرنامج اليومي بدءًا بتلاوة من كبار المقرئين آيات من الذكر الحكيم، ومن بعد نشرة الأخبار، فحديث للشيخ علي الطنطاوي، فكلمة الصباح للأستاذ محمد حسين زيدان.. وفي المساء، وصلات من الطرب الأصيل والموسيقى الشرقيَّة وحلقات من مسلسل (صحَّ النوم) للنجمين دريد لحام ونهاد قلعي.

كانت السيِّدات المتقدِّمات بالعمر، يخشين من كشف رؤوسهن، وأمامهن داخل التلفزيون رجال من غير المحارم، فيستعنَّ بشرشف الصلاة لستر الرأس والوجه، وكان بعض الأطفال يفحصون جهاز التلفزيون من كلِّ جوانبه بحثًا عن الشخصيات التي تظهر على شاشة التلفزيون.. وما إن يحين وقت عرض الفيلم، حتَّى يخيِّم السكون، وتنحبس الأنفاس لمتابعة أحداثه، وإذا كانت أحداث الفيلم خاصَّة تدور حول الكاوبوي من بطولة زرق العيون المهاجرين من أوروبَّا إلى العالم الجديد، وهم يطاردون السكَّان الأصليِّين -(الهنود الحمر) كما سمُّوهم- للخلاص منهم قتلًا بالسلاح الناري وبالضرب والسحل.

يبدو أنَّ أحفاد الكاوبوي قد شربوا مع حليب أمهاتهم شهوة الاغتصاب وسفك الدماء في كلِّ أرض حطُّوا رحالهم فيها، وكان من أبشعها إجرامًا حربهم في الفلبِّين حيث قتلوا ما يقرب من مليون وخمسمئة ألف مدني.. أمَّا في الحرب العالميَّة الثانية، فقد خلَّفوا نحو مليونين ونصف المليون قتيل ومن بينهم، رُبع مليون ياباني من سكّان هيروشيما وناجازاكي بقصفهما بقنبلتين ذرّيتين.. ولدى أحفاد الكاوبوي سجلٌّ أسود في قتل أسرى الحرب في مجازر كانيكاتي، وبيسكاري بإيطاليا، وداتشاوي بألمانيا، ومجزرة ساحل أوماها بفرنسا.. وهناك العديد من جرائم قتل الأسرى في ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبيَّة حيث شاركت وحدة بريَّة وطائرات عسكريَّة أمريكيَّة بقتل ما بين ثلاثمئة إلى أربعمئة مدني في الأيَّام ما بين 26 إلى 29 يوليو 1950 أغلبهم نساء وأطفال وشيوخ في قرية نوجنري في كوريا الجنوبيَّة.. وفي الحرب الفيتناميَّة، بلغت أعداد جرائم الحرب الموثَّقة لدى البنتاجون ثلاثمئة وستِّين حالة ليس من ضمنها مجزرة ماي-لاي التي راح ضحيَّتها ما بين ثلاثمئة وسبعة وأربعين إلى خمسمئة وأربعة مدنيين في فيتنام الجنوبيَّة، أغلبهم نساء وأطفال في السادس عشر من مارس 1968.

ومن ضمن جرائم الحرب الأمريكيَّة في فيتنام، استخدامهم الرش الكيماوي البرتقالي والأزرق والأخضر لتدمير وحرق وإتلاف البشر والحقول والقرى.. وكانت فيتنام قد قدَّرت أنّ عدد قتلاها سنة 1995 في الحرب بلغ خمسة ملايين، أربعة ملايين منها مدنيِّون عُزِّل.. وخلَّف القصف الجوي على يوغسلافيا عام 1999 قتل قرابة خمسين ألف مدني.. وتواصل القوَّات الأمريكيَّة بذريعة (محاربة الإرهاب)، كما شاهدناه متلفزًا في العراق وباكستان وأفغانستان واليمن والصومال في صور قصف جويّ قتل مدنيِّين عُزَّل، أو اغتصاب النساء والرجال، أو قتل أسرى حرب، أو تعذيبهم وانتهاك آدميَّتهم، أو إبادة جماعيَّة أو استخدام أسلحة محرَّمة دوليًّا.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X