Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

مكانـــــــــك

A A
تعريف المكان يتضمن «الموقع زائد التجربة»، أو الذكرى المقرونة بذلك الموقع.. وعالم وعلم الجغرافيا هي أهم وأجمل العلوم التي تنقلنا إلى وصف وتحليل وفهم المواقع بأشكالها، وأحجامها، ووظائفها المختلفة.. ولكننا نهملها إهمالاً مخجلاً، وأبدأ بنفسي، فلم أستمتع بهذا العلم الجميل أيام الدراسة بالشكل الكافي واللائق، وأدفع الثمن اليوم في إدراكي الهش للأحداث الجيوسياسية.

تخيَّل مثلاً أن بين أكبر دولتين في العالم خلافات لم تتبلور في معارك عسكرية هائلة بلطف الله.. وتحديداً، بين الصين والهند ما يكفي لقيام مجموعة حروب كبرى، ولكن أعلى الجبال في العالم، وهي جبال الهملايا، التي تقف شامخة كالسد المنيع على حدودهما المشتركة، «فتهدّي اللعب»، ولا نسمع عن الصراعات بينهما إلا فيما ندر. وتلعب الجبال والأنهار بالذات أحد أهم الأدوار في رسم الحدود وتهدئة الحماقة بين الدول، ونرى ذلك في دول أوروبا بشكلٍ خاص. وللمياه دورها الهائل في حماية الدول، وأهم الأمثلة على ذلك نراها في الولايات المتحدة.. فعلى شرقها وغربها أكبر محيطين في العالم، وشمالها وجنوبها جيران «مروقين»، فلا رغبة لكندا أو المكسيك في وجع الرأس العسكري.. وأما روسيا فعندها مشاكل جغرافية هائلة، وأهمها من غرب البلاد، وهي تساعدنا على فهم الصراع الدامي الحالي.. فضلاً لاحظ أن روسيا تتمتع بكونها أكبر دولة في العالم، فمساحتها تعادل حوالى ثمانية أمثال مساحة المملكة، ولكن عدد سكانها يعتبر قليلا نسبيا، فهو 146 مليونا، أي ما يعادل أربعة أمثال تعداد سكان وطننا.. وثقل البلاد السياسي والاقتصادي والعلمي في غرب البلاد، بل وحتى ثقلها السكاني، فمعظم التكدس في الغرب، ولكن الغرب غير آمن.. وتحديداً، لا توجد أية موانع طبيعية لحماية حدود روسيا الغربية من أوروبا.. لا جبال، ولا أنهار، ولا حتى بحيرات.. يعني لو قررت أي من البلدان في غرب روسيا، بدءاً من أوكرانيا، وبولندا، وروسيا البيضاء (بيلاروسيا) وجيرانهم، أن «تتلسلس» في أراضيها، فلن تجد مشكلة من العوائق الطبيعية. ولا تستغرب من كلامي، ففضلاً راجع تاريخ محاولات احتلال روسيا.. خلال الخمسة قرون الماضية، حاولت بولندا أن تحتل روسيا في 1605.. ثم السويد في 1708.. ثم فرنسا بقيادة نابليون في 1812.. ثم ألمانيا في 1914.. ثم ألمانيا مرة ثانية في 1941.. ونعم بالجيران.. ولكن مشاكل روسيا الجغرافية لا تنتهي بحدودها الغربية، فهناك موضوع موانئها ذات المياه الباردة جدا، والتي تتجمَّد في فصل الشتاء، فتصبح صعبة الاستعمال، ولذا، فروسيا تقدر نعمة الموانئ ذات المياه الدافئة، ولذا فتقدر أهمية التواجد في الموانئ ذات المياه الدافئة بأي شكل كان.. وهذه بعض من التحديات الجغرافية التي لابد أن تفهم في خضم الحرب الروسية الأوكرانية.. وهناك ما هو أهم من كل هذا، فقد تعوَّدنا أن نسمع كلمة التهويد التي تصف فرض الصبغة الصهيونية على تاريخ فلسطين.. ولكن هناك أيضاً تهويد جغرافية فلسطين، وهي ترمز لجهود بدأت عام 1856، أي قبل فترة الانتداب البريطاني.. واستمرت بصبغة جديدة عام 1949 عندما قام الكيان الصهيوني بتكليف مجموعة من علماء التاريخ والجغرافيا والآثار وعلوم الإنسان بتغيير الأسماء العربية للأراضي الفلسطينية بأسماء عبرية مشتقة من القصص التوراتية.. وأضيفت مادة علمية لمقررات المدارس باسم «يدعات اريتز»، ومعناها معرفة الأرض، لترسيخ تلك الصبغة. وكل هذا لإسقاط الصبغة التوراتية على الأراضي الفلسطينية. وكمثال على هذا، إليكم التسميات العبرية القديمة لبعض المناطق الفلسطينية: منطقة القدس العربية أطلقوا عليها اسم «يهودا» العبري.. ومنطقة حيفا وعكا أطلقوا عليها اسم «أشير» العبري.. ومنطقة الناصرة أطلقوا عليها اسم «يساكر».. ومناطق نابلس وطولكرم وجنين أطلقوا عليها اسم «بن يامين».. وهكذا.

* أمنيـــــــــة:

أتمنى أن نُركِّز على المزيد من الاهتمام بعلم الجغرافيا لمعرفة أهمية المكان، فالأحداث العالمية تذكرنا بضرورة فهم الجغرافيا السياسية كإحدى أهم مصادر الصراعات. ومن أهم عناصر ذلك التركيز هو: جهودنا الشخصية للعلم والتعلم بإرادة الله، وهو من وراء القصد.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X