Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
نبيلة حسني محجوب

لكل منا قصة مع الحزن والعيد!

A A
ارتبطت الأعياد بالبهجة، والفرح أهم مظاهرها، لذلك نستقبل العيد، وبشكل خاص عيد الفطر بكل جديد، ليضاعف الفرح ويغمر القلوب بالبهجة، مهما تذمَّرنا من الزحام أو ارتفاع الأسعار، لكننا لا نتوقف عن رفد أسرتنا وأحبتنا ومنازلنا بكل جديد.

رغم أن كل هذه الاستعدادات والركض لاستكمال النواقص، وإرضاء رغبات الجميع قبل دخول العيد، ربما تتحوَّل إلى عبء بعد أيام من انتهاء العيد، أو حتى مع انتهاء صلاة العيد، خصوصاً لمن يكتفي من العيد بصلاة المشهد، أو تناول الوجبات في المطاعم، حيث لا جدوى من كل ذلك الركض المحموم طوال أيام رمضان، مع ذلك تظل المناسبات السعيدة والأعياد، مناسبات مخصصة لتُعبَّأ بالفرح، وهذا يُعطي معنى لكل ما نبذله من جهدٍ، وينفي كلامي السابق الخالي من المعنى، لأنه ينتقد الرغبة في ذلك الجهد المبذول طوال ليالي رمضان لإدخال البهجة على النفس، والشعور بفرحة العيد التي تستكمل متطلباتها بكل تلك المظاهر التي نظنّها مبالغة، أو أنها غير ضرورية. لكن للأحزان مزاجها المباغت، وقدرتها على اختراق تلك المناسبات، كي لا ننسى، كي يظل ذلك الغائب جسداً، حاضراً أبداً في أفراحنا وأعيادنا، لا ذكرى باهتة نطاردها مرة، وتطردنا مرات.

في المناسبات السعيدة والأفراح تصبح الأحزان أكثر حضوراً، والأرواح الطاهرة التي غادرت تهزم آفة النسيان، الذي يُواري طيف الأحبة خلف ركامات الوجوه والأسماء، والأماكن وصروف الزمان، الذي لم يعد غير محطة انتظار للرحيل، ولقاء الراحلين السابقين الأبدي.

كل فرد، وكل بيت يمتلك قدراً من الحزن، بل جرحاً غائراً في القلب، لأن الموت علينا حق، أو على رأي المثل الشعبي: «موس يمشي على الرؤوس»!، حزن الفقد، هو أعمق الأحزان وأقواها استمرارية وتجدداً، والمناسبات السعيدة والأعياد تُحرِّض الأحزان على العودة والحضور بقوة، فالأحزان الخاصة داخل الأسرة، كثيراً ما تفقد العيد بهجته، وتفتح جراح الذكريات للأحبة الذين غادروا قبل أن يكتسي العيد حلّته، لكن العيد سيبقى رغم الأحزان، لأنه مناسبة دينية وتوجيه رباني، وبهجة وجدانية إيمانية.

عندما يُلوِّح الحزن بيديه، ويفترش كل مساحات الفرح قبل أن يلوح هلال العيد في الأفق، ربما نُردِّد في أسى: «بأي حال عدت يا عيد»، سواء علمت أنها من مطلع قصيدة المتنبِّي:

(عيد بأي حال عدت يا عيد

بما مضى أم بأمر فيك تجديد)

وأنها من قصيدة هجاء لكافور الأخشيدي في العصر العباسي، أو لم تعلم، لكنها أصبحت نغمة الحزن التي تعود كل عيد، سراً أو جهراً، حتى أنها كانت وربما لازالت عنواناً لكثير من المقالات التي تنعي العيد، حسب الزاوية التي ينظر منها الكاتب لحاله، أو حال مجتمعه، أو وطنه أو أمته.

لم تكن لدي الرغبة في تقليب المواجع، لولا كثرة النعي الذي أجده على كل قنوات التواصل، لكن منصة الفيسبوك تُشبه صفحة الوفيات، بالنسبة لبقية المنصات الافتراضية، لكنها تُمثِّل ذاكرة حية تفيض بذكرى الراحلين عبر السنين.

أُدرك جيداً معنى الفقد، وأن الموت علينا حق، لكن الفراق صعب كما يقولون، وأنه مُوجع في أي وقت، لكن في رمضان ربما الحزن فيه مضاعفاً، لأن العيد يأتي ويمضى دون أن يطرق باب أهل الفقيد، فقدتُ أخي «عبيد وزوجته» قبل سنوات في رمضان، ويبدو أني دخلت مرحلة حزن مبكرة هذا العام، ربما أحزان الآخرين تُوقظ أحزاننا، وفقد أحبّتهم يُعيد لنا مشهد فقد أحبّتنا طازجاً، كأنه في ذات اللحظة!.

الرحمة والمغفرة إلى كل الأرواح الغالية التي خرجت ولم تعد، وتعلَّقت بها قلوب الأحبة، وكل عام وأنتم بخير، وعيدكم مبارك.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X