Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد بشير كردي

ماضي الذكريات ومستقبل الحياة!

A A
جدَّتي -يرحمها الله- كانت ربَّة منزل، ومربيَّة من الدرجة الممتازة.. عرَّفت أولادها وأحفادها منذ صغرهم أركان الإسلام، وحفَّظتهم آيات مباركات من القرآن الكريم ليقرأوها في صلواتهم.. وعلَّمتهم آداب استقبال المناسبات الدينيَّة، مولية شهر رمضان المبارك جلَّ اهتمامها، وكانت تُعِدُّ لاستقباله من منتصف شهر شعبان.. تؤمِّن متطلَّبات المطبخ من أرز وفريك ومنكِّهات الطعام من مستكة وماء الزهو والورد والكادي، إلى جانب الزعفران وعجينة السمبوسك وطرشي الأمبه (المانجو).. كانت تمنِّي صغار الأسرة بالهدايا والوعود بالمزيد منها مع كلِّ يوم يشاركون في السحور، وكانت في آخر كلِّ صباحٍ منه، مع وعد منهم بالامتناع عن تناول الطعام والشراب إلى ما بعد صلاة الظهر، تقدِّم لهم السحور الثالث، ومن بعد الانتظار إلى غروب الشمس، ومع الانتهاء من تناول وجبة الإفطار، كانت -رحمها الله- توزِّع عليهم الحلوى لإكمال صعودهم درجات مئذنة صيام اليوم الأوَّل من رمضان.

مع تقادم العمر، كانت تخفِّف عدد الوجبات إلى واحدة ساعة السحور، وأُخرى ما بين صلاتي الظهر والعصر، ومع صباح اليوم الأوَّل من عيد الفطر، كانت تقدِّم العيديَّة لأحفادها ريالات فضيَّةً وملابس جديدةً، منها العقال الملكي والغترة السويسريَّة والطاقيَّة المطرَّزة بخيوط السيم الذهبيَّة والفضيَّة والمداس.. ولطالما كانوا يرتدونها بفرح، وقد اصطفُّوا قرب الباب بانتظار قدوم المهنِّئين بالعيد، متوقِّعين بعد تقبيل الأيادي العيديِّات النقديَّة، ومن ثَّم يأخذون مقاعدهم حول مائدة الطعام، وعليها الأطباق الحجازيَّة المعتادة ليوم العيد، ومنها حلاوة لدو وهريسة لوز ولبنيَّه وزيتون بأشكاله والأجبان بأنواعها، وحلاوة طحينيَّه ومكدوس ودبيازة ومربَّيات، والغداء شعيريَّه أو كسكسي بالطريقة الحجازيَّة، وأرز وعدس ومخلَّلات.. أمَّا العشاء ففي كلِّ مساء من أيَّام العيد طبق رئيس واحد، سليق أو مندي أو بخاري أو زربيان أو كابلي بلمَّة العائلة التي لا يعلو على متعتها.. كان لريالات العيد دورها.. ينزل الصغار والصبية إلى الساحات، يتباهون مع أقرانهم من فتيان الحارة بما تجمَّع في جيوبهم من ريالات، ومن ثمَّ يمارسون العديد من الألعاب الشعبيَّة التي تعتمد على سرعة البديهة وقوَّة العضلات وخفَّة الحركة.. ومن بعد يتَّجهون إلى المراجيح المنصوبة في الساحة، وعلى أطرافها بسطات الحلويات والألعاب، وباعة الترمس والبليلة والفول والطرشي.. ومع سماع الآذان من الحرم يرفعه الريس الشيخ حسين بخاري، ينتظم الجميع حول حنفيَّات الماء للوضوء، ويدخلون الحرم لتأدية الصلاة جماعة.. غالبًا ما كانوا يختارون الحصوة الجنوبيَّة لصلاتهم لقربها من المواجهة الشريفة.. وبعد الصلاة، وقفة قصيرة عند تنوُّر عابد، يتناولون من بسطته على السريع حبات من اليغمش والمنتو.. ومن عابد إلى فرن الكعكي لتناول أقراص عيش الحب، والإسراع بها إلى البيت، لوقت الغداء والشهيَّة مفتوحة لطبق ملوخيَّة كان الوالد قد اشتراها في الصباح من حلقة الخضار والفاكهة.. يتبع الغداء مدَّة استرخاء وهدوء إلى آذان صلاة العصر.. ولا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد.. ومنها إلى الساحة وما فيها من ألعاب إلى قرب غروب الشمس.

تمرًّ أيَّام العيد سريعة، ويغادرنا العيد وفرحته، ليأتي شيخ الكتَّاب و معه عصاه.. ونعود إلى الدراسة وإلى اللوح الخشبي نكتب عليه ونذاكر ما كتبنا عليه من مواد دراسيَّة.. نُسْمِع شيخ الكتَّاب ما حفظناه من آيات الذكر الحكيم.. وعند حفظ أحدنا الختمة، يُقام له في الكتَّاب احتفال تقديرٍ يحضره الأهل والأصحاب، ويجودون فيه على الشيخ بما تيسَّر من الريالات مع عبوات دهن العود والورد والياسمين.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X