Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. علي آل شرمة

تغطية إعلامية متميزة لأزمة مطار جدة

A A
انشغل الرأي العام بقضية تكدُّس المسافرين في مطار الملك عبدالعزيز الدولي بجدة خلال الأيام الماضية، وتبارت وسائل الإعلام في عكس الصورة، والحديث عن معاناة الآلاف الذين اضطروا لافتراش صالات المطار بعد تأجيل وإلغاء العديد من رحلات الطيران، كما اهتمت وسائط التواصل الاجتماعي بأخبار تلك المعاناة الكبيرة التي استنكرها الجميع، وانهالت مقاطع الفيديو التي عكست حجم المعاناة.

وكما هو متوقع، فقد تدخَّلت السلطات المسؤولة بمختلف اختصاصاتها لإيجاد حلول عاجلة لإنقاذ الوضع، وإنهاء معاناة العائلات والأطفال وكبار السن، الذين اضطروا لافتراش الأرض لعدة أيام. وقد انفرجت الأزمة مؤخراً بعد حزمة من الإجراءات العاجلة التي اتخذها الفريق المتخصص الذي أرسلته الأجهزة المسؤولة.

كذلك أصدر وزير النقل والخدمات اللوجستية «سعد بن ناصر الجاسر» قراراً بتشكيل لجنة تقصي حقائق لبحث الأزمة، ومعرفة الأسباب، وتحديد الطرف المسؤول والمتسبب فيها، إضافة إلى صدور قرار آخر بإقالة الرئيس التنفيذي لشركة مطارات جدة «ريان الطرابزوني»، وتكليف «أيمن عبدالعزيز أبوعباة» خلفاً له.

ومع التسليم باحتمال وقوع أخطاء في أي عمل بشري، إلا أن وقوع مثل هذه الأزمة بهذا المستوى، واستمرارها لعدة أيام؛ هو مُؤشِّر واضح على حدوث تقصير كبير لم يعد مقبولاً، لا سيما ونحن نعيش فترة رؤية المملكة 2030 التي رفعت سقف التوقُّعات، وأوجدت حالة من السعي المتواصل لتجويد العمل وتحسين الأداء. كما أن مثل هذه الحالات تُسيء إلى صورة المملكة في عيون الآخرين، وتتسبب في حدوث ذكريات أليمة في نفوس المعتمرين والزوار، الذين بذلت الدولة جهوداً كبيراً في سبيل العناية بهم خلال فترة إقامتهم، وقامت بتذليل كافة الصعاب التي قد تعترض طريقهم.

بعيداً عن الأزمة وتداعياتها، فإن ما يهمني في هذا المقال، هو طريقة التناول الإعلامي لما حدث، حيث أبدت الصحف والفضائيات والمواقع الإخبارية السعودية على شبكة الإنترنت اهتماماً كبيراً بمعاناة المسافرين، وأفردت مساحات كبيرة للحديث عنها. هذا التناول امتاز بالاهتمام بنقل الحقيقة كاملة ومجرَّدة وبمهنية عالية، بعيداً عن «الطبطبة» ومحاولات التمويه، ووجَّهت سهام النقد بصورةٍ مسؤولة ومتوازنة لمن تسبَّبوا في وقوعها.

في ذات الوقت لم تجنح وسائل الإعلام السعودية لتوجيه الاتهامات غير المسنودة بأدلة، ولم تتطرف في توجيه النقد الجارح لأي طرف، كما يحدث في كثير من دول المنطقة العربية التي تتذرَّع بالمهنية، بل جاء التناول هادئاً ومتوازناً، وركَّز على نقل الصور الإنسانية وكشف القصور والإخفاق، وتلك هي مهمة السلطة الرابعة التي تُسلِّط أضواءها على مواقع الخلل، ولا تُنصب المحاكمات الفورية المتسرعة لأي طرف، لأن تلك مهمة جهات أخرى.

ومما لا شك فيه أن الصحافة ووسائل الإعلام هي عين المواطن والرقيب على أداء الأجهزة الحكومية، والمؤشر الذي يساعد الأجهزة التنفيذية على تحديد أماكن الخطأ، وتنقل نبض الشارع وتُوصل رغباته وتوجُّهاته للمسؤولين وصُنَّاع القرار، وهذا بالضبط ما فعلته أجهزة إعلامنا خلال الأزمة الأخيرة. شخصياً، لم يُفاجئني هذا النضج الإعلامي الذي أدهش الكثيرين، حيث كتبتُ أكثر من مرة عن المهنية والاحترافية التي تتحلَّى بها وسائل الإعلام السعودية على اختلاف قنواتها وأنواعها، وأن أداءها العالي بات يحتل مركز الصدارة على مستوى دول المنطقة. فالصحف السعودية متميزة على المستوى التحريري والإخراجي. كما أن الفضائيات السعودية، الحكومية منها والتي تتبع للقطاع الخاص، هي صاحبة النسبة الأعلى في المشاهدة الجماهيرية.

وتظل أبرز الخصائص التي تُميِّز الإعلام السعودي، اقترابه من قضايا وطنه وأمته، وإعلائه للشأن العام على حساب القضايا الشخصية، وعدم خوضه في القضايا الانصرافية، وتسخيره الإيجابي لقدراته العالية في التأثير على الرأي العام، وتشكيل توجُّه المجتمعات، وقدرته الفائقة على الوصول إلى كافة فئات المجتمع، ومخاطبته لشرائحهم على اختلاف توجهاتها.

هذا الإعلام المسؤول، صاحب الرؤية الهادفة والأداء العقلاني المتوازن؛ يُشكِّل أكبر ضمانة لنجاح خطط التحديث والتطوير والنهضة التي تتبعها المملكة في هذا العهد الزاهر على هدي رؤية المملكة 2030، ونحن أكثر ما نكون إليه لاستنهاض هِمَم الشباب، واستنفار طاقات المجتمع، وتحفيز السواعد نحو مزيد من العمل والاجتهاد.

أتمنى من كل قلبي أن يستمر هذا الأداء العالي لمواكبة فترة الرؤية التي تختلف بدون شك عما سواها، حتى تصطف كل القدرات، وتتوحَّد الأيادي، ويلتحم الجميع مع قيادتهم، مؤازرين ومساندين لأجل تحقيق أهدافنا الكبرى.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X