Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

مفاجـــــــآت

A A
طلبت وجبة دجاج شهية جدا ستصل بمشيئة الله أثناء كتابة هذا المقال، وهذه من نعم الله المذهلة.. ومن الطرائف أن إيصال الوليمة إلى منزلي سيتطلب تقنية رائعة تشمل منظومة أقمار صناعية تحوم على ارتفاع حوالى عشرين ألف كيلومتر عن سطح الأرض، وسأعود إلى موضوع تقنية تلك الأقمار بعد 381 كلمة من هذه النقطة.

أكيد أن العالم بأكمله يشعر بالحزن على الصراعات الدموية في فلسطين، وأوكرانيا، وغيرها من المناطق الساخنة، وأكيد أن تطويع التقنيات للقتل تذهلنا بدقتها وطرقها المختلفة لأذية البشر والعمران.. ولكن سبحان الله أن بعض من تقنيات الحروب التي صُمِّمت للدمار تتحوَّل إلى تقنيات هائلة تفيد البشرية.. في الحرب العالمية الأولى - قبل حوالى مائة وخمس سنوات - بدأت الأطراف المتحاربة باستخدام الغازات السامة ضمن منظومة الحرب الكيماوية.. وتحديداً استخدمت غازات «البروم» ثم «الكلور» ثم خلطات الغازات السامة مثل غاز « الفوسجين» لضرب الجنود في خنادقهم.. ولكن أشد الغازات فتكاً كان غاز «الخردل»، وكانت تركيبته حارقة للعيون، والحلق، والرئتين، ولم تُفلح الأقنعة في مقاومته.. ولكن من المفارقات العجيبة أنه تم اكتشاف أن ضحايا الغاز من الجرحى كانوا يعانون من انخفاض في الكريات البيضاء في الدم وبالتالي في المناعة، وربط العلماء موضوع انخفاض المناعة بإحدى أهم الوسائل لمكافحة السرطان ضمن منظومة العلاج الكيماوي.. والمفاجأة هنا هي أن الغاز المميت أصبح بإرادة الله أحد أهم مفاتيح علاج أحد أخطر الأمراض وهو السرطان.

وفي عالم الطب نجد أيضاً أن العديد من أسس العمليات الجراحية، وبالذات في مجال جراحات التجميل، بدأت في مسارح الحروب الشرسة حول العالم، ونجد أيضا أن تطور تقنيات تصميم وتصنيع الأطراف الصناعية تأثَّر باحتياجات الجرحى من ضحايا الصراعات المسلحة.

ومن الطب ننتقل إلى عالم الفضاء، فنجد أن سباق التسليح النووي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة كان يشمل أنظمة توجيه للصواريخ الحاملة للرؤوس النووية، وكانت إحدى ركائز تلك الأنظمة، استخدام الأقمار الصناعية لتقنين توجيه الصواريخ نحو الأهداف، وتألَّقت الولايات المتحدة في بناء نظام مُعقَّد اسمه النجم الشمالي «نورث ستار»، لتحديد خطوط الطول والعرض والارتفاع بدقة، وبدون استخدام أية محطات أرضية. وتم تكوين نظام الملاحة بنجاح للقوات المختلفة لتحديد مواقعها على الأرض بدقة.

وفي عام 1983 أسقطت القوات الجوية في الاتحاد السوفيتي طائرة مدنية كورية وقتل جميع ركابها البالغ عددهم 283 بالقرب من الأجواء السوفيتية، بسبب خطأ ملاحي من قائد الطائرة المدنية، وتسبَّبت تلك الكارثة في فتح المجال للاستخدامات المدنية لمنظومة الملاحة الفضائية لتحديد المواقع، وأُطلق عليها اسم «نظام تحديد المواقع الكوني»، Global Positioning System GPS، ولكن النظام كان مُشفَّرا للاستخدامات المدنية، لتقليص درجات دقته مقارنةً بالاستعمالات العسكرية. وخلال الاستعدادات لحرب الخليج في عام 1991 تم السماح لاستخدام النظام بدرجة دقة أعلى، ففُتحت مجالات أكبر وأكثر لتحديد المواقع بدقة. واليوم نجد قائمة من خيارات أنظمة تحديد المواقع، فبالإضافة إلى النظام الأمريكي، هناك نظام «جاليليو» الأوروبي، ونظام «جلوناس» الروسي، ونظام «بيدو» الصيني.. وبعضها وراء توصيل وجبة الدجاج إلى منزلي بكل سهولة، فهي على اتصال مستمر وموثوق بهواتفنا لإيصال مواقعنا ييسرٍ ودقة.

* أمنيــــــة:

العديد من التقنيات التي نستخدمها اليوم بدأت في الصراعات العسكرية، من العلاج، إلى الإنترنت، والتصوير الرقمي، والاتصالات اللاسلكية، والملاحة، وغيرها.. مفاجآت تُذهلنا بعدما تحوَّلت من نقمةٍ إلى نعمة، ولكن أتمنى أن لا يكون الدمار هو المدخل الأساس لازدهار البشرية مهما كانت نتائجه، لأن تكاليفه الحقيقية أكثر مما نتخيَّل، ولا يعلمها إلا الله عز وجل، وهو من وراء القصد.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X