Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد البلادي

الراقصة والشفاهيون!!

A A
* يروي الأستاذ صلاح قبضايا حكاية طريفة لفنانة استعراضية شهيرة؛ كانت تلتقي جمهورها كل ليلة على خشبة أحد المسارح في السبعينيات الميلادية، وكانت تتعرَّض لحرج شبه يومي عندما يقوم بعضهم بكتابة قصاصة صغيرة يطلب فيها أحد أعمالها (البائسة).. فتنظر المذكورة للورقة بإمعان، ثم تسأل بقية الجمهور في الصالة عمًا يطلبون هم أيضاً.. وكان أول الملبّين دائماً أحد عُمّال المسرح، الذي يُقدِّم لها قصاصة أخرى مشيراً بيده في الهواء نحو شخص ما غير معين.. ثم تأتي القصاصة الثالثة من مُشاهِد قريب، يكتبها بسرعة فوق منديل ورقي!. تُقلّب المذكورة الوريقات الثلاث - في حيرة مصطنعة - ثم تعلن لجمهورها أن الطلبات مختلفة، ومحيّرة، لذلك فإنها مضطرة لتقديم ما يقع عليه اختيارها الشخصي!.

* الحقيقة التي لا يعرفها أحد، هي أن الراقصة (الموقرة) لا تعرف القراءة ولا الكتابة، ومن أجل إخفاء (أميّتها) عن السذّج المفتونين، الذين يُرسلون لها وريقاتهم، فإنها تسعى لخلط الأوراق بالاتفاق مع عُمَّال المسرح الذين يمدّونها بقصاصاتٍ مزيفة، تدّعي اختيار إحداها، فيفرح من صادف الاختيار رغبته اعتقاداً انها فضّلته.. ويحلم البقية بتلبية أمنياتهم في الغد أو بعد غد!. * أتذكر قصة خلط الأوراق والنجمة التي لا تقرأ، كلما شاهدت قطعان (مشاهير التواصل) وهم يقودون الآلاف من أتباعهم نحو حلقات (الشفاهية الإلكترونية) عبر برامج (السناب) والدردشة، والمساحات الصوتية مثل (كلوب هاوس) وغيره من البرامج التي تكاد تنزعنا من الحالة (الكتابية) البسيطة التي غمستنا فيها - قسراً - بعض برامج التواصل الجيدة، لتُعيدنا ثقافة (لك المايك)؛ إلى أحضان ثقافة أساطير (حمّاد الراوية)، وشفاهية الشعر المنحول، التي سيطرت علينا وجمَّدتنا لقرونٍ طوال!.

* الثقافة الشفاهية - في معظمها - ثقافة (أميّة) سريعة الاندثار، لا تمكث في الأرض ولا أظنها تنفع الناس، ومعظم من يلجأ إليها هم (الحكواتية) ومحبو (طق الحنك) ممّن يكرهون الكتابة والتوثيق ويستثقلونها، فشفاهيتهم لا تحتاج في الغالب إلى إعداد؛ ولا تتطلب إلماما كبيرا باللغة وقواعد الكتابة.. والأهم أنها ترفع الحرج عن الكثيرين ممن يعانون من الضعف اللغوي، وأتذكَّر هنا أحد المسؤولين التربويين الذي كان لا يُفرّق في رسائل (الواتساب) بين التاء المفتوحة؛ وشقيقتها المربوطة حتى نبهه أحدهم، فامتنع عن الكتابة نهائياً، واتجه لإرسال مقاطع صوتية!.

* وصف القصيمي عبدالله - غفر الله لنا وله - عرب الأربعينيات والخمسينيات بأنهم ظاهرة صوتية، وبعيداً عن المعاني المضمرة في هذا الوصف القاسي؛ فالحق أن (عرب السناب والدردشة) أقرب منهم إلى هذا الوصف، فهم بالفعل صوتيون، شفاهيون، ومُحبّون لحكايات (التفاهة)، حيث ينصب كل من شاء مجلسه الخاص، ليتحلق حوله الآلاف لممارسة (السخف الإلكتروني) الذي صار بضاعة مزجاة يلتقطها ويدّعيها كل مَن يحلم بالجماهيرية والشعبية الزائفة. والكارثة الأكبر أن ثمة لغة (عامية) لا قواعد لها، آخذة في الشيوع بينهم، حيث يستخدمونها في كتاباتهم البسيطة جداً، والمكسّرة جداً جداً. * بالعودة إلى مطلع المقال، نجد أن المشترك بين نجمة السبعينيات (الأميّة) ونجوم الثقافة الشفاهية الحاليون، ليس في كونهما لا يُقدِّمان محتوىً ذا قيمة، ولا حتى في كونهما يكسبان الكثير من وراء ذلك الخلط.. التشابه الأكبر والأنكى في رأيي، أنهم يجدون آلاف السذّج من المريدين والمتابعين، الذين يشترون الخداع والتفاهة، ويستمتعون - كل ليلة - بكتابة وإرسال القصاصات التي (تدغدغ) أحاسيسهم، و(ترقص) على أمنياتهم!.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X