Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. علي آل شرمة

مجتمع نجران يعزز قيم التسامح والعفو

A A
أفلحت الجهود المتواصلة لأمير منطقة نجران، صاحب السمو الأمير جلوي بن عبدالعزيز بن مساعد؛ في ترسيخ مفردات السلم الأهلي في المنطقة، ووضعت حداً لمشكلة المغالاة في الديَّات، وأسهمت في التوصُّل لموافقة قبيلة «آل شثين آل معجبة يام» على العفو عن قاتل أحد أبنائها، والتنازل لوجه الله تعالى، كما رفضت استلام 105 ملايين ريال تَقدَّم بها ذوو القاتل، مشيرةً إلى أنها ترغب فيما عند الله، وهو أعظم وأكبر من كل أموال الدنيا، وتقصد وجهه الكريم بهذا الموقف، وبذلك التنازل انطوت صفحة من الخلاف استمرت 18 عاماً، منذ وقوع حادثة القتل، ولم تتوقف طيلة هذه الفترة جهود المخلصين من مشايخ قبائل المنطقة ووجهائها وأعيانها في محاولة التوصُّل إلى حلٍ مُرضي يُنهي الأزمة.

وللأمانة والتاريخ، ومن موقع المتابعة لما تم، فإن سمو الأمير جلوي بن عبدالعزيز ظل خلال الفترة الماضية يسعى إلى وضع حد لظاهرة المغالاة في الديات، التي وصلت في بعض الأحيان إلى عشرات الملايين من الريالات، وهي المشكلة التي تكبَّدت بسببها كثير من العائلات خسائر فادحة، لأجل الحصول على المبالغ المطلوبة، حتى أراد الله أن يضع حداً لتلك المعاناة، وذلك عندما اتحدت كلمة وجهاء القبائل وأعيان المنطقة على ميثاق ملزم حدَّد القيمة القصوى للديَّة بمبلغ خمسة ملايين ريال، وهو الاتفاق الذي أقره الجميع ووقعوا عليه بحضور الأمير جلوي.

كان ذلك الاتفاق علامة فارقة في تاريخ نجران، وأثبت قوة نسيجها المجتمعي الذي تشتهر به، والذي يضع اعتباراً خاصاً لمشايخ القبائل، وهو ما اعتمد عليه سمو الأمير جلوي الذي يسعى دوماً لزيادة هذا التلاحم، فاكتسب بسبب مساعيه الصادقة وجهوده الحثيثة محبة المجتمع وتقديره، فهو يسعى دوماً لإزالة الخلافات، ويُشجِّع على التسامح والتكاتف، ويدعو لتجاوز الخلافات وتمتين العلاقات الاجتماعية.

في هذا الاتفاق الأخير للصلح والعفو الذي أعلنته قبيلة «آل شثين آل معجبة يام»، كان دور الإمارة واضحاً للمتابعين، فقد دعا أولياء الدم لتجاوز أحزانهم واتخاذ الموقف الصائب الذي يليق بهم، وتواصل مع مشايخ القبيلة الذين أعطوا هذه الجهود الاحترام اللائق بها، وقدَّروها حق قدرها، وتجاوبوا معها، فكان قرارهم التاريخي الأخير الذي سيحفظه لهم مجتمع نجران إلى الأبد. هذا الموقف الكريم لفت انتباه الكثير من وسائل الإعلام الإقليمية والعالمية التي تناولت الخبر، وأفردت له مساحة كبيرة لتغطيته، وتحدَّثت عن القيم النبيلة التي لا زالت القبائل السعودية تحرص عليها وتتمسك بها، وبذلك تعزَّزت الصورة الإيجابية عن المملكة لدى الآخرين، ورسَّخت حقيقة أن هذا الشعب يتمتع بكريم الخصال ومحاسن الأخلاق، وأن أرض الإسلام ومهد الرسالة ستظل بإذن الله عامرة بقيمها السمحة وفضائلها إلى يوم الدين.

ولا تكمن أهمية هذا الاتفاق في مجرد العفو في هذه القضية فقط، بل إنه يُشكِّل أرضية صلبة لحلحلة كثير من القضايا المماثلة؛ التي ظلت عالقة طيلة الفترة الماضية، ويُشجِّع الآخرين من أولياء الدم في التنازل عن حقوقهم لوجه الله تعالى، وهو ما أتوقع أن تظهر نتائجه في الفترة المقبلة، ويقيني أن أجر ذلك وثوابه يصب أيضاً في موازين مَن سعوا للإصلاح بين الناس، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا».

ولا ننسى في هذا المقام الإشارة إلى الدور الذي لعبه مشايخ القبائل وكبارها ووجهاء المجتمع وأعيانه، فقد تواصلت مساعيهم الخيِّرة، ولم تنقطع جهودهم الطيبة مع أولياء الدم، حتى أتم الله تعالى عملهم على الوجه الأكمل، ويحضر في هذا المقام الشيخ علي بن حاسن المكرمي، شيخ شمل قبائل المكارمة، والشيخ محمد بن علي أبوساق، شيخ شمل قبائل آل فاطمة يام، ونائبه الشيخ حسين بن فيصل أبوساق... وغيرهم من الكرام الأفاضل، الذين قرنوا الليل بالنهار واستخدموا مكانتهم الاجتماعية لدى أولياء الدم؛ حتى تكللت مساعيهم بالنجاح.

والشكر في هذا المقام واجب لأولياء الدم، الذين لم تهزّهم المبالغ الضخمة التي قُدِّمت لهم، ولم يلهثوا وراء الأموال، بل تنازلوا لوجه الله الكريم طمعاً فيما عنده من الثواب والأجر العميم، وتنازلوا عن حقهم بطيب خاطر وعزة نفس، وقاموا بإكرام ضيوفهم، واحترام مَن قصدوا ديارهم، وجبروا خواطرهم وأنزلوهم مكانتهم، وهذا ليس غريباً عليهم، فهم أهل عزة وكرم.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X