Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

حــــــــــج

A A
هناك تاريخ لـ»حجٍ» آخر يستحق وقفة تأمُّل: في القرن الرابع الميلادي تم تحوُّل الإمبراطورية الرومانية رسمياً إلى الديانة المسيحية، بعدما كانت ديانة غير مقبولة من وجهة النظر الرومانية الرسمية، أعلن الإمبراطور «قسطنطين» عن قبول المسيحية لتصبح ديانة الامبراطورية الرسمية، وقامت والدته الإمبراطورة «هيلينا» برحلة إلى فلسطين لاستكشاف الآثار المهمة للديانة الجديدة. وكان أحد تلك الآثار هي جبل الجمجمة «جولجوثا» في القدس، وحسب معتقداتهم كان موقع الصلب والصليب، وأصبح بعدها موقع الكنيسة الأولى في المسيحية، وهي كنيسة القيامة. والحدث الذي يهمنا هو أنه بنشاط استكشاف الآثار المسيحية، بدأت الزيارات تتوافد على فلسطين، وبالذات على القدس، ولم تقتصر الزيارات على جنسية واحدة، أو دولة واحدة.

كانت الوسيلة الأساسية للوصول من إنجلترا، واسكتلندا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وبلاد فارس هي عن طريق البر، وباستخدام السفن لعبور بعض العوائق البحرية، وكانت بعض الطرق توصلهم إلى شمال الشام، وبعضها من الموانئ الإيطالية توصلهم إلى ميناء قرطاج بتونس، لتبدأ رحلة برية عبر الساحل إلى الإسكندرية، ثم العريش، ثم تنتهي في القدس.

رحلات صعبة قد تستغرق أشهر، وأصبحت فيما بعد رحلات «حج»، وخصوصاً أن وقت الزيارة الأكثر شعبية كان في عيد الفصح في بداية الربيع، وهو ذكرى الصلب حسب معتقداتهم. ولكن موضوعنا يتعدَّى مجرد وصف رحلات الحجاج إلى القدس، فخلال تلك الرحلة، ظهرت مجموعة مخاطر؛ سواء بسبب الأحوال الجوية عبر الجبال، أو الصحارى، أو البحار، أو بسبب هجوم بعض اللصوص على الحجاج لسلب أموالهم. وتقلَّصت حركة الحج عبر السنين للعديد من الأسباب، ومنها فتاوى الكنائس الأوروبية بعدم القيام بذلك.

ولكن بعد الحملة الصليبية على فلسطين في 1099، وتحول الحكم إلى السلطات الفرنجية، نشطت حركة الحج بشكلٍ كبير، وبدأت معها حركة شبه عسكرية، وهي تكوين ميليشيات مدربة على القتال بهدف حماية الحجاج، وتطورت لتُقدِّم خدمات أخرى، وهي إيصالات الحجاج، وتتلخص في التالي: يقوم الحاج بإيداع أمواله لدى المقاتلين قبل مغادرته لداره، ويستلم تلك الأموال عند وصوله للأراضي المقدسة، وتم ابتكار مجموعات من الأدوات المالية المشتقة من مبدأ «سلّم هنا.. واستلم هناك»، وكانت منشأ فكرة الشيكات وخطابات الاعتماد وغيرها، وقادت تلك الخدمات العسكرية والمالية مجموعة «فرسان الهيكل»، نسبةً إلى هيكل سليمان المزعوم في القدس الشريف. وقد نشأت المجموعة في فرنسا، ثم اتخذت القدس مقراً لها، واستولت بصفاقة واستعلاء على المسجد الأقصى، واتخذت من المصلى تحت ساحته اصطبلات لأحصنتها، استطاعت هذه الميليشيا أن تجمع قوة عسكرية مدربة هائلة مكونة من خلايا صغيرة، وكأنها قوات خاصة، واستطاعت أن تُكوِّن ثروات مالية طائلة من خلال الخدمات المالية للحجاج، وحصلت أيضاً على قوة سياسية كبيرة في القدس وفي أوروبا أيضاً، وبعد سقوط مملكة الصليبيين على يد صلاح الدين الأيوبي وطردهم من القدس، ثم من كامل الأراضي الفلسطينية، اختفى بريق الفرسان، بل وأصبحوا من الفئات المنبوذة سياسياً، واجتماعياً، ودينياً، فتمت محاكمتهم، وتكفيرهم، ومصادرة أملاكهم في 1312م من قِبَل الملك «فيليب الرابع» والكنيسة، فاختفوا من على وجه الأرض.

* أمنيــــــــة:

الحمد الله أن الحج في الإسلام لا يحتوي على مليشيات، ولا أجندات سياسية.. فهو من الفروض السلمية الجميلة التي ننعم بها.. وأتمنى أن نتذكَّر أن القدس هي مدرسة غنية تفيض بالعلوم المختلفة، وبالذات في مجالات الجغرافيا، والتاريخ، والعمران، والسياسة.. نصرها الله على الظلم بأشكاله وأنواعه المختلفة، وهو من وراء القصد.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X