Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محسن علي السهيمي

يرتقون على أكتافها.. ثم يطعنونها!!

A A
يعزز افتخار العربي بلغته أمران: الأول - كونها اللغة التي أُنزل بها القرآن الكريم؟، الثاني - ما تحمله من ثراءٍ في مفرداتها وتراكيبها، وما تكتنزه من بلاغة قلَّ أن تتوافر في غيرها. وقد كان العرب في جاهليتهم وفي صدر الإسلام يتكلَّمون العربية بالسليقة دون قواعد مقننة، وبعد اختلاطهم بالأعاجم وانتشار الإسلام في أنحاء المعمورة، أصاب العربية ما أصابها، فدخلت فيها كلمات مولدة وأجنبية، وهو ما اضطر المهتمين بأمرها إلى تقعيد قواعدها، والعمل على تنقيحها من الدخيل؛ وغير ذلك من الجهود التي لاتزال قائمة حتى اليوم.

وفي العصر الحديث فطنت الدول العربية إلى قضية الضعف الحاصل في اللغة العربية لدى مواطنيها، وهو ما جعلها تعمد لافتتاح أقسام متخصصة للغة العربية في جامعاتها بهدف العناية بها، وتعليمها للمتلقِّين على أصولها الصحيحة، وهو ما يعني تخريج أجيال متقنة للغتها العربية، أو على الأقل لديها حصيلة لغوية ومعرفية كافية؛ تمكِّنها من استخدام اللغة العربية الاستخدام الأمثل، والأهم من ذلك أن تكون هذه الأجيال معتزة بلغتها، ممارسة لها وفق قواعدها الصحيحة، وذلك في منطوقها ومكتوبها. الأمر الجدير بالملاحظة هو أنك حين تنظر للمتخصصين في التخصصات الأخرى، فإنك تكاد تعرف تخصصاتهم من سيماهم، أو من خلال أحاديثهم أو من خلال اهتماماتهم، لكنك حين تنظر للمتخصصين في اللغة العربية لا تكاد تجد بصمة تُميِّز المتخصصين فيها عن غيرهم. هؤلاء المتخصصون حمَلَتْهم اللغة العربية على أكتافها حتى منحتهم درجة البكالوريوس في علومها وآدابها، ووضعت ثقتها فيهم لتقديمها إلى متلقِّيها من الطلاب والراغبين في تعلُّمها، وكانت مصدر رزق لهم يدرُّ عليهم دخلاً شهريًّا يتصاعد بتصاعد خبراتهم، حالهم حال المتخصصين في العلوم الأخرى، وعلى هذا كان من حق اللغة العربية على المتخصصين فيها أن يُخلصوا لها، وأن يعتزوا بها، وأن يجعلوها همّهم، وأن يُحاول الفرد منهم أن يُتقن فنًّا من فنونها؛ وفاءً معها وتكريمًا لها، لكنك تجد بعض المتخصصين فيها وقد ابتعد عنها ولا يكاد يتقاطع معها إلا من خلال المقرر الدراسي المُلزَم بتقديمه للطلاب.

لا تتوقف المأساة على الحاصلين على البكالوريوس في اللغة العربية، فهناك ما هو (أشد مرارةً)؛ فتجد متخصصًا فيها علتْ شهادتُه بنيله (الماجستير أو الدكتوراة) في علوم العربية، فارتفعت مكانتُه في وظيفته ومجتمعه، وزاد دخلُه نتيجة علو شهادته، بمعنى أنه ارتقى ماديًّا ووظيفيًّا ومجتمعيًّا على أكتاف اللغة العربية، فكان من حقها عليه أن يكون مخلصًا لها، مندمجًا فيها (معتزًّا بها)، تظهر فنونها وجمالياتها على قلمه ولسانه، لكن الذي نراه من البعض أنه ومع كل هذا الترقِّي على أكتاف اللغة العربية، ومع كل هذه المكرمات التي أغدقت اللغة عليه بها، إلا أنه يعيش حالة جفاء ظاهر معها؛ فحديثه غارق في العامية، وهنا لا أقول إنه مطلوب من المتخصص في اللغة العربية ألا يتكلم إلا الفصحى في أي مكانٍ وزمان وتحت أي ظرف، لكن إن لم يلتزم بالفصحى؛ فينبغي أن يكون في منطوقه أقرب للغة السهلة المفهومة (البيضاء)، أما مكتوبه فينبغي أن يلتزم فيه الفصحى.

لا أدري كيف يَقبل المتخصص في اللغة العربية - وقد منحته أعلى درجاتها وخاصة (الماجستير أو الدكتوراة) - أن يمارس معها حالة من الجفاء والنكران، حين يقدِّم موهبته (الشعرية أو الفنية أو الكتابية) بلغة عامية؟، وكيف يرضى ضميره بهذه الازدواجية مع اللغة العربية حين ينال أطيب ثمارها ويترقى بها ويرتقي في وظيفته ومجتمعه على أكتافها ثم يُجافيها في منطوقه ومكتوبه؟، جدير بهؤلاء المتخصصين في اللغة العربية - خاصةً الذين يحملون فيها شهادات عليا - أن يَصدقوا معها، لا أن يمدُّوا لها يدًا لتقطف ثمارَها ويطعنوها بالأُخرى في ظهرها، جدير بهم ألا يُظهروا هواياتهم ومواهبهم إلا في قالبها، جدير بهم أن يكونوا ممثلين حقيقيين لها، صادقين معها ومع أنفسهم.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X