Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طلال القشقري

قصّة السبّاك الصعيدي!!

A A
قبل أكثر من ١٠ سنوات تعرَّفْتُ على سبّاك وافد من محافظة الصعيد المصرية، وكان مُعدماً وبسيطاً وقليل الخبرة، وكنت كلّما اتّصلْتُ به على هاتفه الجوّال الذي ينتمي جهازه إلى الأجيال الغبية من الجوّالات أتاني سريعاً على درّاجة هوائية مهترئة ينشد العمل، وهكذا كان ديدنه مع زبائنه السعوديين!.

وظلَلْتُ أرقب مسيرته المهنية طيلة هذه السنوات، وما رأيكم الآن أن أخبركم بتفاصيل آخر مشاهداتي له عندما استدعيته، هل أنتم مستعدّون؟ حسناً: لقد جاءني، ما شاء الله، على متن سيّارة يابانية موديل السنة الحالية، ولا يقلّ سعرها عن ٩٠ ألف ريال نقداً، ويضع عُدّة السباكة في حقيبة السيّارة، وقد ودّع درّاجته الهوائية للأبد، واقتنى جهاز جوّال هو أرقى من جهازي، ومُتّصِل بباقة إنترنت مفتوحة مع زوجته في الصعيد بالصوت والصورة، وصار لديه خبرة من السباكة تؤهّله ليكون مُعَلِّماً فيها، والخلاصة هي التحسّن الهائل في حياته المهنية والمالية والاجتماعية، ويشهد الله أنّني فَرِحْتُ له، كما أخبرني أنّه بنى له منزلاً في الصعيد، وقُلْتُ في قلبي «يستاهل»، فمن جَدَّ وَجَدَ ومن زرع حصد.

وهنا أتساءل عن شبابنا، أين هم من الحرف المهنية التي ما زال الوافدون يحتكرونها بنسبة ربّما تصل إلى ١٠٠٪؟ وليست محصورة في السباكة بل عشرات المهن التي هي كالذهب في سوق العمل، وما زالت هناك فجوة كبيرة بينها وبين شبابنا، رغم أنّها ليست عيباً ولا عاراً بل شرفاً وفخراً، وتُؤتي أُكُلَها كلّ يوم ريالات كثيرة أكثر من راتب الوظيفة الشهري، وكم أتمنّى أن تكون لدينا إستراتيجية وطنية لشغلها من قبل شبابنا، وأن نعمل على تدريبهم وتأهيلهم لخوض غمارها المضمون النجاح، وأن نساعدهم مالياً لفتح محلّاتهم الخاصّة بهم، وتقديم التسهيلات والحوافز التي تجعلهم محترفين للمهن بكلّ اقتدار.

وهنا أدرك شهرزاد الصباح، وختمت كلامها المُباح بالقول إنّ المهن اليدوية هي أحد أهمّ أعمدة السبل المفتوحة على مصراعيْها للقمة العيش الشريفة، ونحتاج لفترة طويلة لتوطينها، فالسرعة السرعة في بدء رحلة أميالها الشائكة، ولنجعل شبابنا هم أوتادها المغروزة في تربتها الشريفة والمباركة، مثلهم مثل الوافدين.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X