Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. علي آل شرمة

أبطال آيسف.. لبنة لازدهار البحث العلمي

A A
مشاعر غامرة من الفرح عاشها السعوديون خلال الأيام الماضية، ولا زالت أصداؤها تتردد عقب فوز أبنائنا في منتخب العلوم والهندسة بعدد 15 جائزة كبرى، و6 جوائز خاصة من بين 2000 طالب وطالبة يُمثِّلون 85 دولة، خلال مشاركتهم في معرض «ريجينيرون» الدولي للعلوم والهندسة «آيسف 2022» الذي أقيم في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا الأمريكية، خلال الفترة من 7 إلى 13 مايو الجاري.

وبهذا الإنجاز رفعت المملكة رصيد جوائزها الخاصة في هذا المعرض إلى 104 جوائز منذ بدأت مشاركاتها في العام 2007، منها 68 جائزة كبرى، 36 جائزة خاصة.

في الرياض كان المشهد مهيباً وجميلاً، عندما اصطف عدد كبير من المسؤولين والمواطنين عند مطار الملك خالد الدولي للترحيب بالنوابغ. كان الاستقبال يليق بهم، حيث تعالت هتافات التشجيع ودوى صوت التصفيق عالياً في جنبات المكان، وابتهج الجميع وعاشوا لحظات ستظل باقية في ذاكرة من أفرحوا عائلاتهم، ورفعوا شأن بلادهم في ذلك المحفل العالمي.

هذا الإنجاز اللافت أتى نتيجة لتخطيط سليم ومثابرة وعمل متواصل؛ قامت به وزارة التعليم ومؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع «موهبة»، بدعمٍ لا محدود من القيادة الرشيدة، ليُثمر في خاتمة المطاف عن هذا التفرد والتفوق، بعد أن أثبت أبطالنا قدرتهم على انتزاع تلك الجوائز عنوةً واقتداراً من منافسيهم، الذين يُمثِّلون كثيراً من الدول المتقدمة.

ومما يزيد من قيمة هذا الإنجاز الفريد؛ أنه لم يتحقق صدفة أو بضربة حظ، فالصُّدَف لا تصنع التفوق العلمي، ولم يحدث بسبب عبقرية الطلاب فقط، رغم أنها واضحة وظاهرة، بل لأن هناك من استعانوا بالعلم والتخطيط السليم، ووضعوا نصب أعينهم أهداف ومبادرات رؤية المملكة 2030 لتحقيق مستهدفات طموحة في برنامج التحول الوطني المتعلق بالبحث العلمي والتعليم، فكانت النتيجة الطبيعية باهرة ومشرفة.

ومنذ إقرارها، فقد نادت رؤية المملكة 2030 بضرورة تطوير مخرجات التعليم؛ عبر وتدريب وتطوير المعلمين، وترقية بيئة التعلم لتحفيز الإبداع والابتكار، وتحسين المناهج وطرق التدريس، وتطوير المهارات الأساسية للطلاب، وركزت على أن تنمية الكادر البشري هي أهم الأهداف، لأن الأجيال الجديدة هي المستهدفة أساساً بكافة الجهود الرامية نحو تحقيق النهضة، ولا قيمة لأي ازدهار اقتصادي إذا لم تواكبه نهضة مماثلة في المستوى العلمي للشباب، لأنهم هم الذين يتحملون مسؤولية استدامة ذلك التطور والازدهار، بما يحملونه من مؤهلات علمية كافية.

اليوم بدأت المملكة تقطف ثمار الرؤية على صعيد التعليم، وها هي النتائج قد ظهرت، لتُؤكِّد أن رهان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله – كان في محله، فالكوادر الشابة بدأت تُزاحم أقرانها من مختلف دول العالم المتقدِّم على منصات التتويج، بعد أن أثبتت قدرتها على التميُّز والابتكار، وأن المساعي المتواصلة لتطوير وإصلاح العملية التعليمية تسير في طريقها الصحيح، ووفق ما هو مخطط له، وأن أهداف الرؤية في تحويل المملكة إلى دولة أكثر تطوراً؛ باتت أقرب للتحقق من أي وقت مضى.

المطلوب هو المزيد من التشجيع؛ لتعزيز مناخ البحوث العلمية ومراكز الابتكار، وإيجاد بيئة مواتية لزيادة مهارات وقدرات هذه الكوادر، بما يجعل منها لبنة لوجود جيل مختلف أكثر قدرة على إحداث الفارق المطلوب، ويمكن في هذا الصدد الاستعانة بالمراكز البحثية العالمية المتخصصة، وتنظيم ورش عمل تُقدِّمها كفاءات مرموقة على المستوى الدولي. ومثل هذه الجهود ستكون لها آثاراً إيجابية إضافية، تتمثل في رفع مستوى التعليم العام، وارتقاء تصنيف الجامعات السعودية.

هناك أيضاً جانب على قدرٍ كبير من الأهمية، يتمثل في مواصلة جهود تطوير مؤسسات التعليم الخاص، فهو يُمثِّل الأساس في كل عمليات التغيير الإيجابي، لأن الأجيال الجديدة هي التي تقوم عليها عمليات البناء المجتمعي، ولا مفر لأي دولة تُريد اللحاق بمصاف العالم المتطور؛ من الاهتمام بتطوير نظامها التعليمي، وتحسين جودة مخرجاته، وضمان تطوير المهارات الأساسية وتنمية المعارف.

ولا بد من التسليم بأن التعليم في حد ذاته قيمة أساسية حضَّ عليها الدين الإسلامي، بغض النظر عن التخصصات المختلفة، لأنه يُشكِّل حصانة للشباب ضد الدعوات الهدامة، والأفكار الضالة، ويُوسِّع مداركهم، ويُنير بصائرهم للتمييز بين الحق والزيف، والصواب والخطأ، ويمنحهم القدرة على التفكير وإعمال العقل.

إلا أن الواقع الذي نعيشه اليوم والتحديات التي تواجهنا، تتطلب منَّا المزيد من الاهتمام بالتخصصات العلمية والمهنية، وأن نُقلِّل من العلوم النظرية، ونُركِّز على الجوانب العملية والتدريبية، حتى نستطيع الإيفاء بمتطلبات العمل، وتخريج أجيال قادرة على المنافسة، وذلك للقضاء على مشكلة البطالة، وهذه الجهود سيكون لها حتماً تأثير إيجابي يزيد من مكانة بلادنا، ويدفعها للأمام.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X