Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محسن علي السهيمي

آمن التربويون بتعدد الإجازات!

A A
في فترة ماضية ازدهرت سوق الأفكار التربوية، ولذا رأينا كيف أن التربويين لم ينفكوا عن الحديث عن أهمية استمرارية العملية التربوية في مراحل التعليم العام دون تقطيع؛ نظرًا -كما يُؤكِّدون- لانعكاساتها الإيجابية على التحصيل الدراسي لدى الطلاب والطالبات. ولذلك عندما كانت الدراسة -قبل عدة أعوام- تمضي أيامها متصلة؛ لا تتخللها إجازات سوى إجازتَي العيدين (الفطر والأضحى)، وقتَها كانت أصوات بعض التربويين ترتفع من فترةٍ لأخرى ومن مناسبةٍ لمناسبة وهي تُحمِّل إجازتَي العيدين ما يحصل من هدر في العملية التعليمية والتربوية، وتدعو إلى إيجاد حلول ناجعة وعاجلة لرتق الفتق الحاصل بسببهما، وإيقاف ما يرونه عملية هدر تسبَّبت في ضررٍ بالغ على العملية التربوية برمتها، مع أن الإجازتين كانتا اضطرارًا لا اختيارًا.

إجازتا العيدين لم تكن من نوافل الإجازات، وإنما كانت واجبًا تتطلَّبه المناسبتان المرتبطتان بشعيرةٍ دينية لا يمكن تجاوزهما؛ مهما كانت المبررات، وهذا يعني أن تينك الإجازتين (الفطر والأضحى) لم تأتيا نتيجةً للمزاج والأهواء، ولم تكونا خيارًا عبثيًا، وإنما كانتا واقعًا فرض نفسه وضرورة مُلزمة. ولا ندري فربما لو استمرت الإجازات مقصورة على هاتين الإجازتين (الفطر والأضحى)، ولم تُضف لهما أخيرًا إجازات متعددة حتى أنسى آخرُها أولَها، لرأينا جهود التربويين وقد أثمرت في إلغاء هاتين الإجازتين نزولاً عند حججهم ومبرراتهم.

الذي حصل بعد صخب هذه الأفكار التربوية، أن وزارة التعليم أتت للتربويين من حيث لم يحتسبوا؛ فبعد أن كانت الإجازات التي تتخلَّل العام الدراسي مقصورة على إجازتي العيدين، رأينا الوزارة وقد حشدت كمًّا وافرًا من الإجازات المتفرقة بامتداد العام الدراسي، وجاءت تلك الإجازات مُنوَّعة ما بين (مطولة وقصيرة وغيرها)، وهو الأمر الذي جعل التربويين يقعون في حيرة من أمرهم؛ فبعد أن كانوا يستكثرون إجازتين، أصبح أمامهم كمٌّ وافر من الإجازات، وهو ما يعني أن نبرة صوتهم ستعلو في مطالبةٍ صريحة منهم بتقليص هذه الإجازات؛ حتى لا يزداد الهدر في العملية التربوية، وحتى يمكن السيطرة على حالة التشتت التي تُسبِّبها الإجازات المتقطعة والمتعددة على الطلاب والمعلمين والأُسَر والعملية التعليمية والتربوية، لكن يبدو أن المفاهيم قد تبدَّلت وتحوَّلت لدى التربويين فأصبحوا -حفظهم الله- يُؤمنون بضرورة تعدُّد الإجازات خلال العام الدراسي، ويُسهبون في تعداد مناقب هذه الإجازات وعوائدها الإيجابية على العملية التعليمية والتربوية، وهو الأمر الذي يبعث على الدهشة والاستغراب من هذا التحوُّل في المفاهيم، والتبدُّل السريع في الآراء والمواقف. بعيدًا عن التربويين وأفكارهم الإبداعية وتحولاتهم وعدم ثباتهم، فإن السؤال عن هذا الكم الوافر من الإجازات يتحول للمعنيِّ بهذا الأمر، وهي وزارة التعليم، لنقول: هل جاءت هذه الإجازات المتعددة بناءً على استطلاعات رأي شارك فيها الميدان التربوي والطلاب وأُسرهم؟، وهل لمست الوزارة لهذه الإجازات جدوى تُعزِّز بقاءها واستمراريتها؟، وهل ظروف تطبيقها لدينا هي نفسها في دولٍ لها تجربة سابقة فيها؟، وهل ظهرت للوزارة آثار غير إيجابية لتعدُّد الإجازات؛ سواء على تحصيل الطلاب أو على انتظامهم؟.

لستُ هنا في مقام المرجِّح لجدوى تعدُّد الإجازات أو المصادر لها، لكنني -وغيري- نتساءل: هل جيء بهذه الإجازات بناء على معالجة جادة لهذه الفكرة؛ بحيث رجحت -لدى مُقرِّي هذه الإجازات- إيجابياتُها على سلبياتها قبل البدء في تطبيقها؟، وهل ثبت لهم خلال الفترة المنصرمة جدوى هذه الإجازات؟. إن ثبت هذا فلا أرى الجميع إلا سيكونون مع تعدُّدها وبقائها، وإلا فما من بأسٍ في إعادة النظر والمراجعة.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X