Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

نمــــــل

A A
مَن يتابع المشهد العالمي اليوم بصراعاته الدموية المختلفة، سواء كانت فعلية أو كامنة، سيستغرب لحال البشر. الكثير من الناس يعتقد أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعتدي ويقتل لأسباب بعيدة عن هدف التوفير المباشر للغذاء.

وهذه المعلومة ليست صحيحة، فقد سبقنا النمل إلى شن الحروب المنظمة لأسباب لها علاقة بالحصول على الأرض، وتأمين مستوى المعيشة .. بل وسبقنا النمل في أمورٍ كثيرة غير متوقعة، فالمعتقد السائد أن الإنسان كان أول من قدَّم تقنيات الثورة الزراعية منذ حوالى 12500 سنة يحتاج لإعادة نظر.. درسنا أن الحضارة البشرية جاءت بتقنيات التخطيط، والإنتاج، والتخزين، والنقل للمنتجات الزراعية، فقامت الثورة الزراعية لترتقي بمستوى المعيشة في العالم.. ولكن الواقع أن النمل سبق الإنسان بمراحل.

فقد قامت تلك الحشرة بتطبيق تقنيات الثورة الزراعية منذ أكثر من مائة ألف سنة في حضاراته المختلفة، ونرى نتائجها في دراسات مجتمعات النمل المذهلة.

ودراسة النمل كأحد فروع عالم الحشرات اسمها «مرمى كولوجي»، لأن اسم النملة العلمي هو «مرمكس».. ويُقدَّر عدد النمل بحوالى مليون بليون، أي ما يعادل حوالى مليون نملة لكل إنسان في العالم.

وينتشر هذا الكائن المذهل بمشيئة الله في كل مكان على الأرض، باستثناء القطب الجنوبي.

ويتميز بالعديد من الخصائص التي تفوق الوصف، واخترت لكم بعضها في التالي: تذهلنا بعض الحشرات بقدراتها على البناء، ولكن النمل يذهب إلى ما هو أبعد، فبالإضافة إلى استخدامه لمواد البناء الطبيعية مثل الأعشاب والأخشاب، يستخدم أجسامه لتكوين منشآت متخصصة، ومنها على سبيل المثال هيكل «البيوفاك».

هذه المنشأة الكروية المجوَّفة ممكن أن يفوق قطرها المتر، وتتكون من تعشيق أجسام عشرات آلاف الحشرات لتكوين غلاف مكون من أجسام كبار السن في الخارج، والصغار الأقوياء في الداخل.

وتستطيع أن تلعب دور المسكن الآمن، وتستطيع أن تلعب أيضا دور الحصن المنيع للقوات العسكرية النملية على سطح الأرض، وفوق سطح الماء، وعند لصقها في الأشجار أو أسطح الصخور.

وللعلم، فهي قوية جدا بسبب تركيبها وكسوتها بأجسام الحشرات. وسبحان الله أن النمل يعيش في مجتمعات تصل أعدادها إلى الملايين، وتشترك تلك المجتمعات في تقديم مصلحة المجموعة عن الفرد مهما كانت مكانته، أو بالأصح مكانتها، لأن ذكور النمل من الغلابى.. وأعمارهم الافتراضية قصيرة جداً، ولا تتعدى مهامهم التزاوج، ثم بعدها يموتون.. وأما الإناث فهن أصحاب الشأن بدءاً من الملكة التي تترأس المجتمع، إلى العاملات اللاتي يقمن بالبناء، والزراعة، والعناية بشؤون الصغار، والأهم من كل هذا.. الدفاع الباسل عن الكل من المخلوقات والمنشآت.

وأختم القول هنا بأن الغالبية العظمى من الحشرات ليست اجتماعية مثل النمل، فلا تضع مصلحة المجموعة قبل الفرد.

وأُضيف أن أعظم شرف حصل عليه النمل كان في القرآن الكريم فيما جاء في سورة النمل الرائعة. ولتصحيح بعض المفاهيم أن هناك ثلاث حشرات سُمِّيت على اسمها سور، وهي النمل، والنحل، والعنكبوت، فأود أن أُذكِّر نفسي والقُرَّاء الكرام أن العنكبوت ليس من الحشرات، بل هو من المفصليات.

* أمنيــــــة:

أعود إلى بداية المقال، والإشارة إلى الصراعات المسلحة، ودور حضارات النمل، فلابد من الذكر هنا أن العديد من مجتمعات هذه الحشرات الرائعة تحرص على عدم خوض معارك كبرى مدمرة، بالرغم أن حجم أدمغتها أصغر من حبة السمسم.. وتستبدل ذلك باختيار ممثلي قتال؛ للقيام بصراعات فردية أو جماعية محدودة، يتم من خلالها تحديد مصير الخلاف.

أتمنى أن تُحلّ الخلافات البشرية بدرجات أعلى من الرقي.. ربما بمستوى النملة الذي أنعم الله عليها بالكثير، وهو من وراء القصد.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X