Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
نبيلة حسني محجوب

كن إنسانا أولا وأخيرا!

A A
التفاعل الإنساني مع ما يحدث للآخرين، لا بد له من لغة تعبيرية تشعر الآخر بتفاعلك، بإنسانيتك، سواء كانت تلك اللغة كلمات، أو دموع، أو حتى ربتة يد على الكتف، تحمل كل ما يعتمل في صدرك من مشاعر تعاطف مع حالته؛ يمكن أن تكون عاملاً مساعداً لتخفيف آلامه، والتئام جراحه.

قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «لا يكون الرفق في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه»، رواه مسلم. والرفق هو قيمة من القيم العليا وسلوك إنساني، كذلك الرحمة والتعاطف، قيم إنسانية، ومشاعر تحيل إلى سلوك مُوجَّه للآخر، يُشعره بهذه المشاعر والتفاعل مع حالته، تُخفِّف وطأة مصابه.

الأحداث المؤلمة التي يتعرَّض لها البشر في الحياة، كثيرة ومتنوعة، كلما تطورت الحياة تطورت حوادثها ومصائبها، فالحياة لا تسير على وتيرة واحدة، ولا تتدفق سلسبيلا إلى ما شاء الله، بل تعترضها الأحداث والحوادث، الأمراض والمصائب، فالإنسان مهما كان علمه وقدره، ماله وجاهه، لا بد له من المرور بتلك المنحدرات والمنعطفات والمنزلقات التي تعترض حياته.

يفتقد كثير منَّا هذه النزعة الإنسانية، لا أعني بها تلك النزعة التي تنتمي إلى الوجود الذاتي، أي التي تنتمي إلى المعنى المذهبي الوجودي، بل أعني بها تلك المشاعر التي تقتحمك وأنت أمام حالة ضعف أو مرض أو فقد، أو ألم أُصيب به آخر، بعيد أو قريب، صديق أو غريب، فتُشعره بتفاعلك مع ضعفه، ومصابه، تتبع المشاعر بسلوكٍ معنوي أو مادي، يُخفِّف مُصابه، ويشعر أن هناك قلوباً تخفق ألماً لألمه، وأيدٍ تمتد لتُخفِّفه!.

هو هذا الانسان الذي كان يبحث عنه الفيلسوف اليوناني القديم ديوجانس الكلبي -ديوجين- كان يحمل مصباحاً، ويجول به بين الناس، والشمس في كبد السماء، وكلما سُئِلَ باستنكار: لماذا يحمل مصباحاً في عز النهار؟! كان جوابه أنه: «يبحث عن الإنسان»، والإنسان الذي كان يبحث عنه ديوجين، ليس التاجر أو الثري، ولا المفكر أو الشاعر والفيلسوف، بل كان يبحث عن الوفاء والاحترام، والأمانة والصدق والإخلاص في نفوس البشر وسلوكياتهم، والرحمة والتعاطف هي من منظومة تلك القيم الإنسانية العليا، التي يجب أن يحافظ عليها الإنسان، نابضة حية في قلبه ووجدانه، مهما أغرته الحياة؛ مركزه أو علمه، ماله وجاهه، أنه ليس بحاجة للآخرين، بل الآخرين هم بحاجته، عليه أن يقمع ذاته، ونفسه الأمارة بالسوء، لأن مشاعر التعالي على آلام الناس تُفقده أهم قيمة من قيم الإنسانية!.

الرجل في بيته مع زوجته، عندما تكون في حالة ضعف أو مرض، ولم تتمكن من تجهيز الطعام مثلاً، أو الاهتمام بالمنزل والصغار، عليه أن يكون رحيماً، وإنساناً قبل أن يكون زوجاً لا يهمه غير انتظام حياته، وتناول وجبات طعامه بنفس النظام السابق الذي أبدعته تلك الزوجة، التي هي الآن في وضع لا ينتظر غير سلوك الزوج الإنساني.

المسؤول الذي تسنَّم منصباً إدارياً، لابد له أن يكون إنساناً قبل أن يكون مديراً، لا بد من تفاعله مع ما يعترض مرؤوسيه من تقلُّبات الحياة، فيتعامل معها برفق وإنسانية!.

المعلم/ة في الفصل مع الطلبة، لهم/لهن، أيضاً حالات الحزن والألم، مهما كانت في نظر الكبار تافهة، إلا أنها بالنسبة لهم كارثة، على الكبار التفاعل معها بإنسانية، يمكن أن يكون فقد لعبة، أو عدم تمكُّن والديه من شرائها، يُمثِّل له كارثة حقيقية، لكن لا تفقدنا تلك الحالة أو التي نحسبها «تافهة»، إنسانيتنا وتفاعلنا مع الطالب مهما كان مستواه الدراسي، أو الاجتماعي.

عندما تقابل محزوناً أو مكلوماً، مهما كانت أفراحك أو أحزانك، يمكنك مشاركته إنسانيتك، التعبير بالكلمات أو الحركات أو البذل والعطاء -كل إنسان على قدر طاقته- هو المعيار الذي يُحدِّد إنسانيتك!.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X