Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

ليبــــــــــــرتي

A A
شُغْل الدبابيس يخوِّف بلد.. في أوقات السلم يشمل آليات، وتقنيات، وحيلا رهيبة، وأما في أوقات الحرب فحدِّث ولا حرج، لأن وتيرة العمل تتصاعد، وحدودها الزمانية، والمكانية، والمالية تتشكَّل في أُطر قد لا يتخيّلها الناس. ومن الوقائع التاريخية التي لا أفهمها، أحداث باخرة التجسس الأمريكية «ليبرتي» خلال حرب الأيام الستة في يونيو 1967: تفاصيل قصتها أغرب من الخيال، وإليكم ملخصها:

مع اندلاع تلك الحرب بين الأشقاء مصر، وسوريا، والأردن من جانب، وإسرائيل من جانب آخر، نشبت معارك ضارية في الجو والبر. في بداية الحرب هجمت قوات الكيان الصهيوني وحققت مجموعة مكاسب خيالية. وكانت هناك مناوشات بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة بشأن الحرب قبل وخلال الحرب، فارتفعت وتيرة عمليات التجسس من تلك الدولتين، بالإضافة إلى نشاط التجسس بين جميع الأطراف المتحاربة. وكانت إحدى أهم تلك العمليات من سفينة التجسس الأمريكية «ليبرتي»، ومعناها الحرية. كان طاقمها المكون من 297 من البحارة والأخصائيين في اللغة العربية، والعبرية، والروسية، يشمل التنصت إلى تفاصيل الحرب. وكان نشاطها على حدود المياه الإقليمية المصرية بمحاذاة شواطئ مدينة العريش في الشمال الشرقي للبلاد، ليُوفِّر لها تغطية مسارح المعارك المختلفة. ولم تكن الباخرة مسلحة إلا برشاشات خفيفة، ولكن سلاحها الأهم كان مجموعة المستشعرات الإلكترونية الحديثة للاستماع، والتشويش، والاتصالات.. وكانت ضخمة جداً، فكان طولها يفوق طول ملعب كرة قدم، ويعادل عرضها طول أربع سيارات «لاند كروزر» تقريباً. وكان تخصصها في «اللسلسة» على حواف المياه الإقليمية لمناطق النزاعات للتنصت. وفي الصباح الباكر من ثالث يوم الحرب، أي الثامن من يونيو، حلَّقت بعض الطائرات الحربية الإسرائيلية فوق الباخرة الأمريكية، وعادت مقاتلات إسرائيلية أخرى من طراز «ميراج» بقيادة العقيد «افتاخ سبيكتور» في الثانية بعد الظهر، لتُفَاجَأ الباخرة بالقصف بالمدافع الثقيلة لعدة دقائق، ثم هاجمتها طائرات إسرائيلية من طراز «ميستير» بقنابل نابالم الحارقة، ثم هاجمتها ثلاثة زوارق طوربيد إسرائيلية، فأطلقت عليها خمسة طوربيدات، ثم أخيراً هاجمتها طائرات هيلوكوبتر إسرائيلية بالرشاشات.. أصابوها خلال تلك الهجمات بحوالي ثمانمائة طلقة، وخرقوا هيكلها بثقب يتسع لباص النقل الجماعي الكبير، وقتلوا 34، وجرحوا ما لا يقل عن مائة وأربعة وسبعين من طاقمها في العمليات الجوية والبحرية.. وبعدين قالوا ما معناه: «ترى كانت غلطة»، و»كل واحد يصلح مركبته».. و»سماح، فلن تتكرر».. وملخص الموضوع الكلمة العبرية «سليخاه» على وزن «زليخه» يعني آسفين.. وللعلم كان العلم الأمريكي يرفرف على سطح الباخرة، وحجمه يعادل تقريباً ذيل البوينج 737.. وفي مقدمتها ومؤخرتها كانت تظهر حروف التعريف GTR (General Technical Research)، ومعناها سفينة أبحاث التقنية.. يعني تجسس للذي لا يفقه.. وحجم تلك الحروف بارتفاع يفوق طول لاعب كرة سلة محترف. بعد الهجوم تشكَّلت لجان تحقيق، ودفعت إسرائيل تعويضات رمزية إلى الضحايا.. والمحزن هنا أن مصدرها كان من مساعدات من الحكومة الأمريكية نفسها.. وسجل الموضوع على أنه حادث بدون قصد.. وهنا أتساءل عن منطقية التفسيرات التاريخية الرسمية، فهل يعقل أن تكون الهجمات المتكررة عمياء لجنسية الباخرة الضخمة؟، يعني كيف برَّروا أنها بدت وكأنها سفينة مصرية؟، وكيف يتم إطلاق النار على سفينة لا ترد الهجوم ولا برصاصة واحدة لفترات هجوم متكررة لمدة تفوق المائة وعشرين دقيقة؟.

* أمنية:

دروس التاريخ كثيرة ومذهلة، أتمنى أن نهتم بها لنفهم الدنيا بالشكل الذي يليق بمكانتها، وبالأدوار المختلفة لمكوِّنات الواقع الذي نعيشه بمشيئة الله، وهو من وراء القصد.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X