Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

كاميــــــــــليا

A A
معناها «النقية البريئة» باللاتينية، والمقصود في المقال هو «كاميليا الصينية» أو «كاميليا سينيسس»، وهي شجيرة الشاي الصينية التي أنعم الله علينا بها، لتكن مصدر الشاهي الذي أصبح المشروب الثاني في العالم بعد الماء. وللمعلومية فهي مصدر جميع أنواع الشاهي.. الأحمر، والأخضر، والأبيض، والأولونج، والماتشا، والسنتشا، والياسمين، والمعطر.. كلها من الكاميليا.

وموضوعنا يستحق مقالات كثيرة، لأن أبعاده المختلفة في غاية الأهمية: أبدأها بتصريح الأستاذ «إحسان إقبال» وزير التخطيط والتنمية في دولة الباكستان الشقيقة، بضرورة تخفيض استهلاك الشاهي في بلاده. والسبب هو أن تكلفة استيراده هي حوالى ستمائة مليون دولار سنوياً، وهي الدولة الأولى في استهلاك الشاهي المستورد نسبةً إلى الفرد عالميا، وهذا يُرهق ميزان المدفوعات.. طبعاً انقلبت الدنيا في بلاده بعد التصريح، لأن الشاهي عندهم من الأساسيات.

ولكن في الواقع.. وبدون أي مبالغة.. هو من أساسيات تاريخ العالم بأكمله، فقد غيَّر حضارات أمم.. وساهم في تأسيس الثورة الصناعية.. وتسبَّب أيضاً في اندلاع الحروب. وإليكم بعض من تفاصيل هذه المزاعم: نبدأها بالدور الحضاري. خلال القرن السادس عشر، كانت نقاط التجمع الاجتماعية الأساسية في أوروبا وبريطانيا بالذات هي الحانات، وكانت البيرة هي المشروب الشعبي الأول، وخصوصاً أن جودة مياه الشرب لم تكن على المستوى الصحي اللائق، فكان معظمها مُلوَّثاً.

ولذا، كان المجتمع يُعاني من تلوّث مياه الشرب، وما يُسبِّب من أمراض معوية من جانب، ومن الاعتماد على الكحول، وما يُسبِّب من «سطلنة» القوى العاملة من جانب آخر. ومع اكتشاف الشاهي في الصين، تم استيراده لأوروبا ونشأت مقاهي الشاهي والقهوة، فتفوقت على الحانات لعدة أسباب. أولا تطلبت تلك المقاهي استخدام الماء المغلي، فتحسنت جودة المياه ونظافتها. ورفعت أيضاً القدرات على التركيز، مقارنةً بتأثيرات البيرة والكحوليات الأخرى في الحانات. وأدت هذه المميزات إلى انتشاره الكبير، وإلى المساهمة في رفع مستوى أداء القوى العاملة الأوروبية، وبالذات في الدول التي قادت الثورة الصناعية، وفي مقدمتها بريطانيا. واستمر الاستيراد البريطاني من الصين بكميات هائلة، مما ارهق ميزان المدفوعات.. مثل وضع دولة باكستان الشقيقة اليوم. ووجدت بريطانيا أن الأفضل أن تدفع تكاليف استيراد الشاهي بالأفيون بدلاً من الفضة، وكان استخدام المخدر منتشراً في الصين. ولذا، لجأت الإمبراطورية البريطانية إلى تنشيط زراعة الأفيون في مستعمراتها في شبه القارة الهندية، ومن ثم تنشيط تجارة الأفيون مع الصين مقابل الشاهي، بالرغم من اعتراض حكومة الإمبراطورية الصينية على هذا الإجراء.

وأدى ذلك إلى مجموعة خلافات عنيفة أدت إلى قيام حرب الأفيون الأولى عام 1840، ثم حرب الأفيون الثانية عام 1856، وكلاهما بين الصين وبريطانيا، وكلاهما كانتا من الخسائر الكبيرة للصين خسرت خلالهما لأكثر من عشرة آلاف قتيل وجريح.. والأهم من ذلك أن الحربين غيَّرا تاريخ الصين بأكمله.. كانت صراعات عنيفة بين زهرة الخشخاش المنتجة للأفيون من جانب، وشجيرة الكاميليا المنتجة للشاهي من جانب آخر.

* أمنيـــــة:

خلال استمتاعك بفنجان الشاهي القادم بمشيئة الله، أتمنى أن تتأمَّل في التاريخ المذهل لهذه النعمة الرائعة، وما ذكرت أعلاه هو مجرد نبذة متواضعة من «حواديت» الشاي.. وهناك مقالات قادمة عن علاقته بالاستخبارات، وغيرها من المفاجآت بإذن الله، وهو من وراء القصد.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X