Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محسن علي السهيمي

هل يدعو القرآن للتفلسف؟!

A A
في ثقافتنا العامة تندر القواطع والمشتركات بين (القرآن الكريم والفلسفة)، لكنَّ المفكر الفقيه (محمد يوسف موسى- رحمه الله) يأتي فيُؤكِّد في فاتحة كتابه: (القرآن والفلسفة)، على أن القرآن الكريم يدفع للتفكير الفلسفي؛ حينما تعرَّض في كثير من آياته «لأمهات المشاكل الفلسفية الإلهية والطبيعية والإنسانية، هذه المشاكل التي كانت وماتزال تثير أفكار العلماء والفلاسفة وعقولهم»، مُؤكِّدًا على أن «رجال علم الكلام لم يعرفوا كيف يفيدون منه الفائدة الكاملة والمعرفة الحقة التي يؤمن بها القلب والعقل معًا، أي المعرفة التي هي -من بعض نواحيها- فوق المعرفة الفلسفية التي تستند للعقل وحده، هذا العقل الذي يخطئ كما يصيب». في الوقت نفسه يرى أن القرآن وقف حائلاً دون ضرب من التفكير الفلسفي؛ وهو «التفكير الذي كان عادة الفلسفة الإغريقية، أو الذي تأثر بها إلى حدٍّ كبير، وذلك بفضل الآراء الحقة التي صدع بها ودلل عليها في كثير من المشاكل التي كان المُفكِّرون والفلاسفة منها في أمر مريج»، ولا أظنه إلا يقصد اشتغال الفلسفة -خاصةً في بداياتها- بالميتافيزيقيا، حتى غدت أقرب للهرطقات والسفسطات.

الأمر الذي يؤكد عليه المؤلف هو أن «القرآن قبل كل شيء هو كتاب العقيدة الحقة، والشريعة الصالحة لكل زمان ومكان، والأخلاق التي لا يقوم مجتمع سليم إلا بها»، وأن القرآن غايته «هداية البشر كافة وتعريفهم الحق»، ولذا «يجب أن يكون قد احتوى على أصول الفلسفة الصحيحة على اختلاف ضروبها وأقسامها». ولعل السؤال الذي يرتسم أمامنا هو: لماذا لم يتكلم القرآن عن الفلسفة الإغريقية وهي سابقة له؟، ربما تكمن العلة في أن القرآن أراد أن يكوِّن لدى المسلمين منهاجًا مستقلًّا ومختلفًا كليًّا عن غيره، وعلى هذا نجد أن المؤلف يرى أن المسلمين في الصدر الأول من الإسلام استغنوا بالقرآن وكلام الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتوجيهاته عن الفلسفة، ذلك أنهم «وجدوا في القرآن ما يجب أن يعرفوه عن الله والكون والإنسان، وما أتعب الفلاسفة القدماء من اليونان وغير اليونان أنفسهم فيه، فلم يصلوا إلى الحق إلا في القليل منه»، ولعل مما يُعزِّز قولَ المُؤلِّف هذا؛ ما نقله المفكر نور الدين السافي في كتابه: (مدخل إلى العقلانية) عن الفيلسوف كانط من أن «الدِّين وحده هو الوحيد الذي يملك معرفة تامة ونهائية ويقينية عن الوجود الإلهي وخلود الروح والحرية، فمن أراد الحجة عليها فليأخذها من الوحي الإلهي». وبعد جملة من الشواهد والاستدلالات يتوصل المؤلف إلى «أن القرآن بطبيعته وأسلوبه وطريقة تناوله للمسائل أو المشاكل المختلفة (يدعو للتفلسف)، وأنه قابل لما هو حق من الآراء التي ذهب إليها المفكرون في هذه النواحي». بعد ذلك حشد المؤلف جملة من المسائل الإشكالية التي تعرض لها القرآن من خلال آياته (المحكمة والمتشابهة)، وهو ما أثار روح التفلسف لدى طوائف المسلمين، ومن تلك المسائل (ذات الله وصفاته والعدالة الإلهية)، وكان المؤلف يطرح رأيه نهاية كل مسألة.

في خاتمة الكتاب يُؤكِّد المؤلف أنه لولا القرآن «ما عرف تاريخ الفكر الإسلامي أكثر المذاهب التي استمدها أصحابها وأقاموا الأدلة عليها من القرآن نفسه»، ويرى أنه لا يكون من الحق ما ذهب إليه المستشرق (تِنِمَّان) من أن القرآن كان عائقًا للمسلمين عن التقدم في الفلسفة، في الوقت نفسه لا ينكر أن للعوامل الأجنبية كالفلسفة اليونانية دورًا في تفلسف المسلمين، لكنه يشدد على أنه «كان مما دفع المسلمين للفلسفة القرآنُ أولاً، ثم ما عرفوه ونقلوه من التراث الإغريقي ثانيًا، وكلٌّ من هذين العاملين كان له أثر خاص به».

ويختم المؤلف بالقول: «إن القرآن بما جاء به من حلول هي الحق الذي لا ريب فيه لمشاكل الألوهية والعالم وصلة الإنسان بالله، كان له أثر آخر إيجابي في فلسفة المسلمين، إنه حقًّا جعل هؤلاء الفلاسفة يغيرون من فلسفة الإغريق كما عرفوها؛ وذلك لتتفق والقرآن في هذه المشاكل»، ثم استشهد المؤلف على ذلك بتوفيق ابن رشد بين الفلسفة والدين. الكتاب ذو قيمة ونادر في موضوعه، ولذا قال عنه المفكر زكي الميلاد بأنه لو كان يُنسب لأحدِ فلاسفةِ المسلمين الأوائل أو أحدِ الأوروبيين والمستشرقين لكان شأنه عظيمًا.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X