Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. علي آل شرمة

جولة ولي العهد.. تُرتِّب أوراق المنطقة

A A
كشفت الجولة الأخيرة لولي العهد، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، إلى مصر والأردن وتركيا، عن الدور الكبير الذي تلعبه المملكة في المحيطين الإقليمي والدولي، فالزيارة التي أولتها وسائل الإعلام العالمية اهتماماً مضاعفاً، أتت في توقيت بالغ الأهمية، في ظل التوتر الكبير الذي يشهده العالم بسبب الحرب في أوكرانيا، وحالة الترقب الواسعة التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية، وتداعيات الأزمات في سورية ولبنان والعراق، إضافةً إلى استمرار النظام الإيراني في زعزعة الأمن العالمي، في ظل تواصل مساعيها لامتلاك السلاح النووي، وهو ما يُشكِّل خطراً ليس على منطقة الشرق الأوسط فحسب، بل على العالم أجمع.

لم تغب كذلك عن الجولة؛ الأجندة الثنائية، وجهود دعم العلاقات السعودية مع دول المنطقة، واستمرار الشقيقة الكبرى في مد يد العون لأشقائها والوقوف معهم، وهو دور اعتادت المملكة القيام به منذ توحيدها على يد الملك عبدالعزيز آل سعود، طيب الله ثراه.

وركزت الجولة أيضاً على تنسيق الموقفين العربي والإسلامي تجاه قضايا المنطقة، والقضايا الدولية، وهو بند أساسي كان حاضراً في صدارة مباحثات الأمير محمد مع قادة الدول الثلاث. كما بحث معهم عدداً من القضايا الإقليمية والدولية من ضمنها الأوضاع في السودان وسبل التوصل إلى حلٍ للأزمة في ليبيا، والجهود المبذولة على صعيد إنهاء الحرب في اليمن، وانعكاسات الحرب الروسية الأوكرانية على المنطقة، وتعزيز العلاقات في شتى المجالات بين هذه الدول والمملكة.

تلك الظروف الدقيقة تستدعي تعميق الشراكات الاقتصادية بين دول المنطقة العربية، وابتكار صِيَغ جديدة للتعاون فيما بينها، لتحقيق التنمية المستدامة، وتقوية الاستجابة للتحديات المشتركة والأزمات العالمية، وتوسيع الاعتماد على الذات، خاصةً في القطاعات الحيوية ذات الصلة بالأمن الوطني، مثل: الغذاء والصحة والطاقة والصناعة وغيرها، وهو ما كان في صلب مناقشات ولي العهد مع قادة الدول الثلاث.

كما كشفت الجولة عن توافق عام بين قادة الدول العربية على أهمية صياغة تحالف إقليمي ذات أبعاد سياسية وأمنية واقتصادية لتنسيق المواقف، وتوحيد الرؤى، وتعزيز التكامل، بما يُسهم في دعم الأمن والاستقرار في المنطقة، ومواجهة التحديات التي تُواجهها.

ومما أكسب الجولة أهمية خاصة، أنها استبقت اجتماعاً موسعاً سيحضره الرئيس الأمريكي في الرياض يومي 15 و16 يوليو المقبل مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي ومصر، والأردن والعراق، وذلك على هامش القمة التي تستضيفها الرياض في نفس التوقيت.

ويتوقع أن تصدر عن الاجتماع قرارات بالغة الأهمية، يكون لها تأثير كبير على مستقبل المنطقة، لا سيما في هذا الظرف الدقيق الذي يمر به العالم في ظل الأزمة في أوكرانيا، وما يترتب عليها من مشكلات في سلاسل إمداد الغذاء والطاقة، وهو ما جعل العالم ينظر نحو دول الخليج عامة، والمملكة على وجه الخصوص، لتعويض النقص الذي يمكن أن يحدث في المشتقات البترولية في حال استمرار الحرب.

بقي القول: إن جولة ولي العهد، ورغم أنها لم تستغرق أكثر من ثلاثة أيام، لكنها كانت كبيرة وعظيمة بمقدار النجاحات التي تحققت، وما تمخَّض عنها من قراراتٍ مصيرية، تعكس مقدار الثقل الذي تتمتع به المملكة، والترحيب الذي يجده قادتها أينما كانوا، والتجاوب منقطع النظير مع ما يطرحونه من أفكارٍ ومقترحات، وذلك لأن بلاد الحرمين تسعى دوماً لوحدة الصف، وتعمل على ترتيب أوراق المنطقة لما فيه خير شعوبها.هذا النهج المعتدل في السياسة الخارجية السعودية هو كلمة السر في التفوق المتواصل الذي تجده الدبلوماسية السعودية على كافة الأصعدة، إقليميا ودوليا، للدرجة التي باتت معها الرياض تُمثِّل عاصمة لصناعة القرار العربي والإسلامي، ومحطة يصعب تجاوزها عند اتخاذ قرارات إستراتيجية.

وهكذا تبوأت المملكة مرة أخرى اهتمام وكالات الأنباء ووسائل الإعلام العالمية، وتصدَّرت المشهد الدولي، عطفاً على ما تُنظِّمه من فعاليات تختص بمناقشة الأوضاع الاقتصادية العالمية، وتنسيق العمل المشترك، من أجل ضمان استقرار المنطقة، والإسهام في تحقيق انتعاش اقتصادي قوي ومستدام، وهو ما جعلها عضواً فاعلاً في المجتمع الدولي، لا يكتفي فقط بمجرد المشاركة الفاعلة، بل يبحث عن صناعة الحدث وإيجاد الحلول.

ليس مجرد ذلك فقط، بل إن السعودية مع تركيزها على تحقيق مصالحها وتطلعات شعبها، فهي كذلك تحمل هموم أشقائها، وتحرص على مصالحهم، وتمد يد العطاء لكل من حولها، ولا تكتفي بمجرد الحضور والفرجة، وهذا هو نهج الكبار.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X