Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

شاهــــي

A A
الشاهي، من النعم الجميلة التي تستحق عشرات المقالات.. وصل هذا المنتج الرائع إلى مرتبة «ثاني مشروب» بعد الماء في العالم بأكمله لأسبابٍ وجيهة جداً، ومنها: طعمه الرائع، وفوائده الصحية الكثيرة، وتكلفته المنخفضة، وسهولة تحضيره، وتخزينه ونقله.. ويتميز أيضاً بدوره الحضاري الذي غيَّر تاريخ العالم، وكثرة «حواديت» الشاهي تعكس بعض من الغرائب.. ولكن قبل البدء أودُّ أن نعرج على موضوع الاسم. في الغزو الصهيوني للأراضي الفلسطينية عند بداية الحرب العالمية الثانية، تكوَّنت قوة استخباراتية لقواتٍ غير نظامية عنيفة باسم «الهاجاناه».. وأطلق عليها اسم «شاي» Chai ، وبالرغم من أن نُطق الكلمة بالعبرية يختلف عن كتابتها، فأعتقد أن الاسم الأفضل هو «الشاهي»، كما نُسمِّيه تقليدياً.. وسبحان الله أن علاقة مشروبنا مع الجاسوسية لا تقتصر على الاسم فحسب، فالموضوع أكبر من ذلك بكثير. كما ذكرت في مقال الأسبوع الماضي، في مطلع القرن الثامن عشر شهدت بريطانيا أكبر نمو في استهلاك الشاهي وصل إلى عشرة أمثال.. وكانت الصين محتكرة لزراعته وتحضيره.. وتوَّلدت أزمة في ميزان المدفوعات المالية، لأن قيمته كانت تدفع بالفضة.. أضف إلى ذلك أنه كان من أهم مصادر الضرائب البريطانية، وكان يصل إلى حوالى 10% من الوعاء الضريبي.. وكان أحد الحلول لهذه المشكلة هو التشجيع البريطاني لاستخدام الأفيون في الصين لتداوله مقابل الشاهي.. وشجَّعت الإمبراطورية البريطانية تكثيف زراعة الأفيون وتصديره من مستعمراتها من الأراضي الهندية إلى الصين، لسد الفجوة المالية، بدلاً من تسريب كميات هائلة من الفضة.. ولكن بعض القيادات الاستخباراتية البريطانية وجدت أن أحد الحلول المساندة هي القيام بعملية جاسوسية على الأراضي الصينية، لاستكشاف أسرار نبتة الشاهي وسرقتها.

وكان الهدف هو زراعتها في أراضي المستعمرات البريطانية في الهند لكسر الاحتكار الصيني.

في عام 1848 تم تجنيد «روبرت فورتشن» البريطاني للقيام بهذه المهمة في عملية تجسس جريئة كانت الأولى من نوعها، وبالرغم أنها قد تبدو بسيطة.. سرقة حفنة من الزرع والبذور.. إلا أنها كانت في غاية الصعوبة والخطورة، فلم تَكُن الصين من البلدان المفتوحة، وبالذات للأوروبيين.. ومهما تنكَّر الشخص خلف مهنة عالم النبات، أو مهنة العطارة، كانت الشكوك تحوم حول الأجانب، وكانت زراعة الشاهي الصيني تتم في بعض المناطق الصعبة، مثل المرتفعات والأقاليم الداخلية، مما أضاف صعوبات إضافية، خصوصاً أن وجود رجل بريطاني في مناطق زراعة الشاهي كان واضحاً.. مثل الفيل بداخل صالة ركاب المطار.. الشاهد أن «فورتشن» نجح في مهمته، فحصل على النبتة وقام بتهريبها بنجاح إلى الأراضي الهندية، حيث تمت زراعتها بنجاح.. وتمت زراعتها أيضاً في بعض المستعمرات البريطانية الأخرى، وأهمها أمريكا الشمالية، فكانت نهاية الاحتكار الصيني للشاهي.

* أمنيـــة:

قصص الشاهي كثيرة في السلم والحرب.. وبعضها أغرب من الخيال، وخصوصاً فيما يتعلق بنشاط الدبابيس.. أتمنى أن ندرك أن أعمال الجاسوسية عبر التاريخ قد تشمل المنتجات الزراعية والحيوانية أيضاً.. والله أعلم، فقد تستهدف بعضها خيرات مزارع الوطن، لأن لدينا أفضل التمور عالمياً، وهناك من يرغب في الحصول على أسرارها.. والله يقينا شرور أعمالهم، وهو من وراء القصد.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X