Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
عدنان كامل صلاح

ما يحدث في أمريكا.. لا يبقى في أمريكا

A A
المراقبون والمحللون السياسيون يلتفتون إلى أمريكا لفهم الأحداث السياسية في العالم، والاقتصاديون ينظرون إلى الاقتصاد الأمريكي للحديث عن اقتصاد كل بلد من العالم، إذا ارتفع الدولار تأثَّرت العملات العالمية، وإذا انخفضت الواردات التجارية الأمريكية، انكمش الاقتصاد العالمي، أصبحت واشنطن عاصمة القرار في العالم، وعندما أرادت الوقوف إلى جانب أوكرانيا ضد روسيا، حوَّلت كافة الدول الأوروبية إلى توابع لها، ودفعتهم إلى منح أوكرانيا بلايين الدولارات وكميات هائلة من السلاح والعتاد، حتى وإن أدى ذلك إلى الإضرار باقتصاديات أوروبا، وتأثر العالم بأجمعه، سلباً، بكل ذلك، وعندما قررت بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الأمريكي الذهاب إلى تايوان، ضاربة باعتراضات الصين عرض الحائط، رافقتها حاملات الطائرات وأعداد غفيرة من المقاتلات، وأمسك العالم بأنفاسه، خشية رد الفعل الصيني، ثم تنفس الصعداء عندما خرجت من تايوان بسلام، وقررت الصين التفرغ لمواجهة تايوان بعد زيارة رئيس مجلس النواب الأمريكي.

لذا، فإن ما يحدث الآن في أمريكا من تحدِّ سياسي فيما بين الحزبين الكبيرين هناك، تطور إلى دخول رجال الدولة منزل رئيس الجمهورية السابق، دونالد ترمب، وكسر أقفال خزانة الوثائق فيه، والاستيلاء على عدد كبير منها، بينما كان هؤلاء قد اطلعوا، من سابق، بدون ضجة وإعلام، على وثائق رغبوا الاطلاع عليها، ونصحوا ترامب بإضافة قفل آخر إلى خزنته، كسروها هذه المرة، بما يدل على أن الأمور بين الدولة، أو على الأقل مكتب التحقيقات الفيدرالي، التابع للدولة التي يقوم عليها الآن الحزب الديموقراطي المنافس لحزب الرئيس السابق، لا تكن لرئيس الجمهورية السابق أي احترام أو مودة، كل هذا يجعلنا نتساءل: ما الذي يحدث في أمريكا، حيث إن دونالد ترامب عبَّر بشكلٍ غير مباشر وأكثر من مرة عن أنه سيترشَّح للانتخابات الرئاسية عندما تجري بعد عامين، وأشارت بعض الاستطلاعات إلى أنه يتمتع بغالبية قد تُوصله مرة أخرى للبيت الأبيض، وكذلك تشير هذه الاستطلاعات إلى احتمال فـوز أعضاء حـزبه (الجمهوري) بمقاعد في مجلسي الكونجرس، وذلك في الانتخابات المتوقعة للكونجرس ولبعض الولايات، في شهر نوفمبر القادم، بحيث تضعف قبضة الحزب الديموقراطي، المسيطر حالياُ، وتقلب الطاولة عليهم، والتساؤل هنا:

هل ما يجري قانوني بحت، وهل ارتكب دونالد ترامب خطيئة سوف يُحاسب عليها هذه المرة، أم أن هناك محاولة لتغيير الوضع الحالي للحزبين الكبيرين، بحيث يتم الوصول إلى حلول وسط مقبولة من الطرفين، وقد يكون كبش الفداء هنا دونالد ترمب المزعج للكثيرين داخل وخارج أمريكا.

مشكلة أمريكا اليوم هي أن النخب المهيمنة على القرار السياسي اختطفتها مجموعات من المتطرفين يساراً في الحزب الديموقراطي، ويميناً في الحزب الجمهوري، ولا يمكن الوصول إلى تفاهم قائم على حلول وسط فيما بين هذه النخب المهيمنة، ما لم يتم الحد من غلواء المتطرفين هؤلاء في الجانبين، ولا تبدو حتى الآن أي مؤشرات على أن المعتدلين والوسطيين من الحزبين قد تقدَّما الصفوف، لمنع توابع مقلقة للزلزال الأمريكي الذي وقع، وربما هناك تحركات من خلف الستار تجري لإخراج واقع جديد يتعايش فيه الطرفان. وتتوقف بموجبه الآلة الإعلامية عن التصعيد والتجييش.

ونشر مركز أبحاث بيو (PEW) يوم 9 أغسطس الحالي نتائج استطلاع قام به المركز، أشار إلى أن النظرة السلبية بين أعضاء كل حزب تتصاعد تجاه أعضاء الحزب الآخر، ويصفون بعضهم البعض بأنهم أصحاب عقول ضيقة (69% من الجمهوريين تجاه الديموقراطيين، و83% من الديموقراطيين للجمهوريين)، وأنهم غير شرفاء (64% جمهوريين تجاه الديموقراطيين، ومثلهم من الحزب الآخر)، ولا أخلاقيين (72% جمهوريين تجاه الديموقراطيين، و63% ديموقراطيين تجاه الجمهوريين).

ولعل النخب الأمريكية تقتنع الآن بضرورة وضع قواعد جديدة للديموقراطية في بلدهم.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store