Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
نبيلة حسني محجوب

الهجرة إلى الكتب!

A A
يقول الكاتب عبدالوهاب مطاوع في مقدمة كتابه «أرجوك أعطني عمرك»: «بأن الإنسان يحتاج لأن يعيش أكثر من مرة لكي يجيد فن الحياة، ويحسن التعامل مع ما يُواجهه فيها من اختبارات وتناقضات وألغاز محيرة، ولأن الأمنية مستحيلة، فإنه يحاول أن يطيل عمره، المحدود، بإضافة أعمار الآخرين إليه، أي بإضافة ما تعلَّمه الآخرون من دروس حياتهم وتجاربهم، إلى ما تعلمه هو من أخطائه وعثراته».

القارئ عندما يختار كتاباً لكاتب، كأنه يطلب من الكاتب أن يمنحه عمره، حتى لو أن هذا الكاتب لم يعد له وجود على سطح الأرض، بل حتى إن عظامه ذابت واختلطت بالتربة، إلا أنه موجود فكراً وعلماً أو أدباً بين طيات كتاب، وأن عمرهلا يزال يمنح لكل من يقرأ خبراته وتجاربه وخلاصة عمره التي أودعها كتبه.

فالكاتب الذي يترك بين صفحات الكتب خلاصة عمره، لا يموت، ليس هذا فقط، بل يمنح قرّاءه عمراً إضافياً، من خلال ما قدّمه لهم في كتابه، سواء كان الأثر أدبياً أو فكرياً أو علمياً، أو تجارب حياتية!.

يستشهد مطاوع بمقولة للمأمون - الخليفة العباسي- الذي كان مغرماً بالحوارات الأدبية والفلسفة والحكمة: «ألذ الأشياء هو التنزه في عقول الآخرين»، يُعلِّق قائلاً: «فلقد حاولت دائماً أن «أتنزَّه»، ولو بضع ساعة كل يوم – ومنذ صباي المبكر- في عقول الآخرين ومؤلفاتهم وخبراتهم، وتجاربهم مع الحياة».

وينصح مطاوع القارئ أن يفعل ذلك؛ أي التنزّه ولو بضع ساعة في عقول الآخرين، ليضيف عمراً إلى عمره، وخبرة إلى خبرته، وتجربة إلى تجاربه!.

السؤال الذي طرحته على نفسي وأنا أقرأ كتابه «أرجوك أعطني عمرك»، هل لو كان مطاوع يعيش في هذا العصر كان نشر هذه الفكرة أو الكتاب؟، قد يقول قائل: إن طرح مثل هذه الفكرة في زمن الهجرة الجماعية باتجاه قنوات التواصل هي عبث! لكني أرى أنها ليست كذلك، فالكتب هي التي صنعت الأدباء والشعراء والنابغين، يمكن أن تتبدَّل وسائل العرض، لكن تظل الكتب القَيمة هي القِيمة الحقيقية للحياة، وشغف القراءة سواء من كتاب أو جهاز محمول أو بأي وسيلة؛ هي التي تصنع العقول وتثري المعرفة.

لا شك أن قلًة منا لا زالت تحافظ على شغف القراءة، لا زالت تجوب المكتبات ومعارض الكتب، تنتقي وتشتري وتعود لاهثة تغرق بين صفحات الكتب ساعات وساعات، دون ملل أو كلل، لكن هذه القلة تتناقص مع الزمن، فالأجيال الجديدة وقسم كبير من الأجيال السابقة التي تربت على الكتاب، هجرته إلى وسائل أسرع وأخف وأمتع.تنوع وتعدد وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الاجتماعية وهيمنتها على الصغار والكبار، ساهم في تحويل الشغف إلى متابعة المشاهير، أو الانخراط في الصداقات الافتراضية والانشغال بالمحادثات والحوارات التي تستنفذ الوقت والطاقة، فلا يجد المرء بعدها رغبة في الانفراد مع الكتاب، الذي منحه المتنبي مرتبة: «وخير جليس في الزمان كتاب».

لا زلتُ أحتفظ بشغفي القديم، وعادتي الغريبة، وهي العودة للكتب التي قرأتها، كذلك لدي عادة شراء نفس الكتاب أكثر من مرة، وأنا أمارس شغفي وعاداتي خلال بحثي في مكتبتي عن كتاب، التقطت كتاب «أرجوك أعطني عمرك»، لعبدالوهاب مطاوع. حرَّضني على العودة إلى الكتب الملتفَّة حول مقعدي، تنتظرني بشغف لتُجالسني، تأخذني أشياء كثيرة بعيداً عنها، ثم أعود إليها وأنا أهمس قائلة: «ما أحلى الرجوع إليها».
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store