* أطياف العذارى.. هو الديوان الأول للشاعر مطلق مخلد الذيابي.. وهو من مطبوعات نادي جدة الأدبي عام 1402هـ ويقع في 225 صفحة، وحوالي 114 قصيدة كلها من قصار النصوص الشعرية أستطيع أن أطلق عليها الـ (ق.ق) القصيدة / القصيرة لأن السمة الغالبة على نصوص هذا الديوان هي القصائد القصيرة، والتي لا تتجاوز العشرة أبيات، وبعضها أقل أيضًا.
أول ملمح نقدي هو ما نسميه بـ / العتبات النصيَّة وهي المداخل الأولية أو الهامشية التي تمنح القارئ إذن الدخول النقدي إلى المتن الشعري، وهنا يمكن أن يقف الناقد على العنوان ودلالاته. صورة الغلاف الأول والأخير ورمزيتها. الخط اليدوي الجميل وتجلياته. الإهداء وفضاءاته الدلالية، وسوف يخرج المتأمل في هذه الفضاءات/ العتبات النصية بما يشبه اليقين أن لكل هذه العتبات ارتباط وثيق بالمتن الشعري عبر صفحات وقصائد الديوان، ولهذا فلن أفصِّل في هذا الجانب، لأنه سيأتي عرضًا في هذه الورقة، وخشية أن تبعدني التفاصيل عن الهدف الأساسي الذي يقودني إليه الديوان، ولكنها مداخل قرائية جديرة بالتبني والتواصل النقدي.
وبعد العتبات وفضاءاتها، أصل إلى الشفرة الأساسية التي ينطلق منها الديوان الشعري، ويحوم حولها، وكأنها «سر البيان الذيابي» وهو ما سنكاشف الديوان من خلاله، ونجلِّي بعض غموضاته، ونرود بعض آفاقه، ونكتشف بعض أسراره ومعانيه. وأعتقد أن جماع ذلك كله هو مصطلح: (الحب الشعري) الذي عنونت به هذه الورقة. وسنتعرف على فضاءاته النقدية في المحور التالي:
أولًا: الحب الشعري: المصطلح والمفهوم الإجرائي:
* «الحب الشعري» مصطلح جديد أزعم أنني صاحبه ابتداء من هذه الورقة التي أقدمها في تكريم الراحل مطلق الذيابي.
الحب الشعري: المقصود به الحب الخيالي الذي تبنيه اللغة وتوثقه الحروف. وليس الحب الذي تبنيه المشاعر والعواطف القلبية. إذًا الحب الشعري هو حب الشعراء الذين يبثونه من خلال نصوصهم الشعرية أو قصائدهم الغزلية.
وبمطالعة ديوان «أطياف العذارى» وقفنا على هذه الفعالية الشعرية، وبدأنا في دراستها على أنها تمثل ظاهرة لافتة ومغرية للتناول النقدي لأنني أعتقد أن هناك حبًا حقيقيًا يبثه الإنسان لحبيب واحد، وهذا لا يستطيع الناقد التكهن به ولا الحكم عليه؛ لأنه سر من أسرار الإنسان إلا إذا أباح به شعريًا.
أما عندما نجد الشاعر يبث الحب لأحباب كُثِر، ومحبوبات متعددات زمانًا ومكانًا، فتظل هذه حالة لغوية شعرية نستمدها من النصوص ونؤولها تحت هذا المسمى «الحب الشعري»!!
«الحب الشعري» يتنامى في الديوان بدءًا من عتبة العنوان «أطياف العذارى» ومرورًا بصورة الغلاف الأول، والكلمة التعريفية على الغلاف الأخير، ثم الإهداء، والاستشهاد بمقولة عن «الحب» لعملاق الأدب العربي الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله، وأخيرًا من خلال المتن الشعري الوارد بين دفتي هذا الديوان.
لكن هذا المصطلح يتأكد من خلال الأبيات الشعرية التي تشير إليه نصًا وروحًا ومعنى:
يقول الشاعر:
يعيش الشعر في كل الهوى والحب والطهر
فلا شعر بلا حب ولا مجد بلا ص 27
ونجد ذلك أيضًا في قوله:
الحب صيرك الأديب الشاعرًا
وغدوت في دنياه طرفًا ساهرًا
فاغمس يراعك في مداد جراحه
فبغير جرح الحب يغدو فاترًا ص 44-45
ونجد ذلك في قوله:
شاعر الحب أنت ملء كياني
صغت لي من هواك عذب الأماني
شاعر الحب هاك نبضة قلبي
لك تحكي تعلقي وحناني ص 142
ويمكن للناقد أن يربط بين عنوان الديوان، وبين مفردة الحب ومرادفاتها ودلالاتها التي تكررت كثيرًا جدًا في الديوان، وكلها تصب في باب الهوى العذري العفيف، مما يعطي للعنوان «أطياف العذارى» وثوقية ومقبولية. فالأطياف جمع طيف أي خيال والعذارى جمع عذراء أي بكر/ عفيفة.
وهذا يعني أن مصطلح «الحب الشعري» يصدق على هذا النوع من الحب العذري/ العفيف الذي لا يتجاوز القول الشعري!! وخيال الشاعر/ المبدع.
* يطالعنا «الحب» -كما قلنا - منذ صفحة الإهداء التي يقول فيها:
«بلا مقدمة.. أهدي بكل حب... قصائدي المتواضعة...
إلى كل من أحب بصدق.....» ص4
من هنا ندرك أن «الحب» و«الصادق» هو المحرك الأول لهذه النصوص الشعرية ولكني سأقف عند الصدقية واستبدلها بـ «الشعرية».
* أيضًا يطالعنا «الحب» بما نقله الشاعر عن العقاد من مقولات عن الحب. وهذه النقولات تعني اصطفاء الشاعر لها وإيمانه بها ولذلك أوردها: يقول العقاد:
«عند الحب.. سهرٌ أحلى من حلم النوم...
عند الحب... نور يطوي الشمس والقمر....
عند الحب... حياة يهون من أجلها الموت...» ص5
إلخ هذا النَّص النثري الجميل.
* أيصًا يطالعنا «الحب» على صفحة الغلاف الأخير عندما يودعنا الشاعر مطلق الذيابي بقوله:
«أحبائي...
لقد عزفت على قيثارتي بعض ما اختلج في صدري....»
إلى أن يقول:
«حسبي أنني عرفت الهوى نبضًا حيًا للروح الشاعرة التي تتوق إلى امتلاك ناصية تعبير أفضل...»
وأخيرًا يطالعنا «الحب» من خلال المتن الشعري الذي استوعب هذا النوع من الحب عبر قصائد ونصوص الديوان التي سنتعامل معها تحليلًا وتأويلًا نقديًا.
* * *
ثانيًًا: التحليل والدلالات والشواهد الشعرية:
في هذا الديوان يتمحور «الحب» في أنواع أربعة وهي:
(1) حب للعروبة والإسلام والأمة والوطن السعودي: ويتجلى ذلك في خمس قصائد طوال عناوينها: يا صحابي، يا أمتي، بالإسلام عزتنا، أرجوزة الأمة السلام.
(2) وفي جميع هذه النصوص، نجد الشاعر مطلق الذيابي يتغنى بحب أمجاد الأمة العربية والإسلامية، ويندب حظهم العاثر وتخلفهم، واحترابهم، وتفوق العدو عليهم، والمطالبة بالتوحد والتمسك بعرى الدين:
سـلامًا أيها العرب سـلامًا بثـه القلـب
فبالإسـلام عزتـنا ورفعتنا وما نصبــو
وبالإسلام حبل الله لا يعثـنا منـا كـرب
من قصيدة بالإسلام عزتنا ص 214-217.
ويقول عن بلاده السعودية:
بلدي الذي قاد المسيرة في الدنى غراء يحمل مشـعل العرفان
بلدي الذي نادى بأصـدق دعوة كل الشعوب بوحدة البلـدان
بلـدي الذي بـث الضـياء لأمة بلغت بنور الحق أرفـع شأن
من قصيدة يهديها للأمير سلمان ص 182-190
(2) حب للقيادات السياسية والإدارية في بلادنا السعودية:
ويتجلى ذلك في (4) قصائد، الأولى منها في رثاء الشهيد الملك فيصل رحمه الله والثانية في أصحاب السمو الأمراء محمد بن عبدالعزيز، سلمان بن عبدالعزيز، ماجد بن عبدالعزيز. وفي جميع هذه النصوص يستشعر القارئ علامات الحب الشعري في كثير من الأبيات مثل قوله في الملك فيصل:
يا كم زرعت الحـب بين قلوبنا حتى استحالت روضة لوداد
يا من رحلت وأنت ملء شفافنا حبًا نعيش به كأنــبل زاد
من قصيدة مرثية البطل الشهيد فيصل بن عبدالعزيز ص 174
ومثل قوله في الأمير محمد بن عبدالعزيز:
متى ألتقي من أترع النفس بالضـنى من الهجر في نجد إليه أسير
حبيبي الذي أجرى على الشعر مقولي فكل الذي غنيت فيه شـعور
حبيبي الـذي روح العـزازة باسـمه معنى سمو المجد وهو أمـير
من قصيدة دفقة حب للأمير محمد بن عبدالعزيز ص 176-180
(3) حب لزملائه الشعراء:
وقد خص منهم غازي القصيبي، عبدالعزيز خوجة، محمد حسن فقي (بأربع) قصائد أخوية يفوح منها أريج المحبة والاحترام.
يقول في قصيدته إلى القصيبي:
غازي يشوق مسامعي السحر من نسج فكرك صاغني الشعر
غنيته نشــوان من طـرب شعرًا يرف بروضـه الــدر
والشعر صـوت الحب نغمته نبض الفــؤاد وغيره نكــر ص 196-200
ويقول في قصيدته للدكتور عبدالعزيز خوجة:
عبدالعزيز شكـوت من أيـامي شكوى الجريح إذا رماه الرامي
إني أحبك شـاعرًا يذكي الهوى والشـعر فوق مناقب الأعـلام
من لا يحـب فنـاؤه وبقـاؤه سـيان، فاغنم بسـمة الأيــام
بالحب بالإنشاد في دنيا الهوى تنـدى القلـوب بطيـب الأنسـام ص 201-203
وهذه الأنواع الثلاثة أوردها الشاعر في الجزء الأخير من الديوان من الصفحات 169-225، وتشتمل على ثلاث عشرة قصيدة، أو نصًا شعريًا من القصائد الطوال والتي تبلغ أبياتها ما بين 43 بيتًا و30 بيتًا و20 بيتًا.
(4) حب للمرأة/ الأنثى (حب العذارى):
وهذا النوع من الحب هو سيد الديوان، هو الأس الفاعل الذي يتماهى مع العنوان «أطياف العذارى» ويكاد يكون هو الشفرة الحقيقية للتعاطي النقدي مع الديوان وقد جاء في واحدة ومائة (101) قصيدة شعرية ويمكن تقسيمها على النحو التالي:
أ - حب عام أو غزل عام في المرأة والجمال والعواطف وفيه 43 نصًا شعريًا.
ب - حب خاص أو غزل خاص (محدد بأسماء أنثوية معينة) وفيه 58 نصًا شعريًا.
ومن أجل التحليل والتأويل قمنا بتصنيف النوع الخاص والمرتبط بالأسماء الأنثوية المحددة إلى ست ملامح جمالية، يتغنى بها قلب الشاعر/ المحب فيما أسميناه بـ/ الحب الشعري وهي:
- الملمح الجمالي للصوت والحديث والصدى والهمس العذب، وقد تكرر ذلك (5) مرات.
- الملمح الجمالي للعيون والابتسامة والثغر، والوجه، والمحيا، حيث تكرر ذلك (29) مرة.
- الملمح الجمالي للصورة والرسم، حيث تكرر (5) مرات.
- الملمح الجمالي للطيب والرائحة الزكية (مرتان).
- الملمح الجمالي للعمر والسن العمري (1) مرة واحدة.
أما الأسماء الأنثوية المحددة التي شغف بها الحب/ الشعري فهي (9) أسماء (فوز، إيمان، نانا، مي، ردينة، بسمة، منى، نجوى، حسانة). وقد جاء تكرارها على النحو التالي:
(مي) وبلدتها المصرية (بنها) (مصر) (20) عشرون مرة.
(نجوى) (14) أربع عشرة مرة.
(فوز) (6) ست مرات.
(بسمة) (5) خمس مرات.
(حسانة) و(إيمان) (3) ثلاث مرات.
(ردينة بنت الشام)، و(نانا) (2) مرتان.
(منى) (1) مرة واحدة.
ومن خلال هذا التحليل الرقمي/ الإحصائي، تبدو تجليات (الحب الشعري) وتمظهراته والشواهد الشعرية على ذلك كثيرة لا يسمح الوقت باستعراضها لكني أشير فقط إلى حبيبات جاء ذكرهن في الديوان.
الأولى: الحبيبة (مي) هي الأكثر ترددًا وتكرارًا في الديوان حيث ترددت عشرين مرة على النحو التالي:
(11) مرة باسمها الصريح «ميّ» و(مرة واحدة) باسم (ماستي).
و(7) مرات بما يدل عليها بلدة (بنها).
و(مرة واحدة) بما يدل عليها دولة (مصر).
وهنا نلاحظ أن الشاعر أفرد نصًا شعريًا كاملًا بعنوان المحبوب الشعري (مي) ص 49 وهو مكون من (ست) أبيات، عندما أسمع صوتها (1)، عوده (2) كما نلاحظ أن الشاعر ذكرها برمز آخر وهو (ماستي) في قصيدة متى تعود ص 47. وهذا يعني أننا أمام (12 مرة) يتكرر فيها الاسم صريحًا ورمزًا.
كما نلاحظ أن الشاعر أحب بلدة (بنها) وإقليم/ أو دولة (مصر) لأن الحبيبة (مي) منها وقد ورد ذكر بنها حوالي (7 مرات) ومصر (مرة واحدة) وهذا يعني أننا أمام (8 مرات) يتكرر فيها ما يدل على الحبيبة (مي)، وكأنه يعيد قول الشاعر:
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا
وهنا أتساءل هل (مي) هذه (مي حقيقية) أم (مي شعرية) أو هي (مي زيادة) الأديبة المصرية معشوقة المثقفين في مصر؟!
ولعلنا هنا نورد بعض الشواهد الشعرية:
يا مي شـدوتك ألحـاني ووهبتك حبــي وحناني
صورتك الحلوة تصحبني ثبـتها الحـب بوجـداني
فلأنــك أجمـل فاتنـة سلبتـني بالحسن جنـاني
ولأنـك أعـذب رائعـة جذبت ذاتي من أوطـاني
يا مي أبثـك شـعـري ما كان به الحـب رمـاني
ص 37
ويقول في نص آخر:
مـيّ مليـكة الــدار سناء الليل للساري
مي عبير هذا الكـون مع بعد عن العـار
تجـاذبــنا أحاديـثًا وتسـبينا بأنظـار
لقيـنـاها عشقـناها بقلـب غير غـدار
ص 49
وفي مدينة (بنها) مدينة المحبوبة (مي) يقول:
يسرح الفكر إلى (بنها) التي ينشد القلب بها أحلى التلاق
إن فيهـا أملي فيهــا التي بعدها عني عذاب لا يطاق
ص 36
ويقول:
إني أشـتاق سـنا (بنها) لأضم بأهدابي بدري
ص 40
وهنا نلاحظ أن معالم الجمال وملامح الفتنة التي جذبت الشاعر إلى هذه الحبيبة (مي) قد تمحورت حول: العيون الجميلة، بهاء الطلعة، الحسن والجمال، الفتنة والحنان، الصوت، الصورة الضاحكة.
والحبيبة الثانية: نجوى، والتي ذكرت في الديوان (14 مرة) باسمها الصريح وذلك من خلال (6) ست قصائد وهي بعناوين:
سوف أردع خافقي ص 23-25 وتكرر فيه الاسم 6 مرات.
عودة ص 46 وتكرر فيه الاسم 2 مرة.
ضياء الأمل ص 69 وتكرر فيه الاسم 1 مرة واحدة.
يا نجي القلب ص 108 وتكرر فيه الاسم 3 مرات.
متى أراه ص 109 وتكرر فيه الاسم 1 مرة واحدة
أقبلي ص 166-168 وتكرر فيه الاسم 1 مرة واحدة.
ولعلنا هنا نورد بعض الشواهد الشعرية:
يقول في قصيدة بعنوان: سوف أردع خافقي:
نجوى ظننتك تحفظين مودتي لكن أضعت مع الزمـان هنايا
الحب يا نجوى لقاء باســم لا تظفئي يا (نجو) نور رجايا
ص 23-25
ويقول في نص بعنوان ضياء الأمل:
أنت ملء الروح يا نجواي هذا بوح قلبي
إنه بات لك اليوم على أصدق حب
أنا أهواك فهل لي بالهوى من مقلتيك
وإذا شئت شقائي فاقص عن ناظريك
ص 69
وفي هذه القصائد نلحظ أن الأسباب المحفزة على حب (نجوى) هي النظرات والعيون والصوت الشجي، وهي نفس أسباب الحب لـ (مي) كما نلاحظ أن هذه النصوص أغلبها في مقام العتاب والدعوة للعودة والإقبال بعد الهجر والابتعاد.
والحبيبة الثالثة: (فوز) التي تكرر اسمها صريحًا (6 مرات) في أربع قصائد، وهي على النحو التالي:
لِمَ التساؤل (3) مرات، صنعة الخلاق (1) مرة واحدة، الصورة الجذلى (1) مرة واحدة، عيونها (1) مرة واحدة.
ولعلنا -هنا- نورد بعض الشواهد الشعرية:
يقول الشاعر في قصيدة (لم التساؤل):
يا فوز هل وعد الحيـاة هواك لي هذا الذي يسري بجوف عظامي
يا فوز هل وعد الحيـاة هواك لي يجتاح عن قلبي دجى الأوهـام
ولم التساؤل.. أنت في شرك الهوى وعيون (فوز) سهمها لك رامي
ص (110)
وفي نص (صنعة الخلاق) يقول:
قمريــتي يا منيـــة الخفــاق يا نفحة الإلهام في أعماقي
لولاك يا أنــس الحــياة لغالني هـم تولاني بلا إشــفاق
ولقد أطـلَّت منــك عيـن زانها لطف الإله بصنعة الخـلاق
يا فوز يا نبض الجنان على الهوى لك ما شعرت تزقه أوراقي
ص 132
ونلاحظ هنا أن سبب الإعجاب الشعري كان في عيون هذه المحبوبة فقط، فكل النصوص السابقة تتغزل بالعين وجمالها وسحرها وفتونها.
والحبيبة الرابعة: (بسمة)، فقد تكرر ذكرها (5) مرات باسمها الصريح في (5) قصائد ومنها قصيدة واحدة تحمل عنوانًا بالاسم (بسمة).
ولعلنا نورد هنا بعض الشواهد الشعرية:
يقول في نص (بسمة):
لمحتك فوق ذاك الأفق نجمة تصور لي بأن هناك نعمة
وأنك في الدنى نور الأماسي يضيء بقلبي الخفاق بسمة
وفي قصيدة يا منية القلب:
بيننا يا منية القـلب نداء هو يدعوني فهل لي باللقـاء
بسمة أتت أضاءت للدنى هكذا اللؤلؤ في الكون أضاء
فهنائي منـك يا أنشودتي نظرة تبعث في قلبي الرجاء
ص 18-19
وفي نص أخير بعنوان دفترك الأزرق يقول:
دفترك الأزرق يا بسمة قد جاء لنا أحلى نعمة
فأضاء بعالمـنا أمـلًا ليغادرنا ليل العتـمة
ص 94-95
والملاحظ هنا أن سبب الحب الشاعري للمحبوبة (بسمة) كانت العيون الكحيلة والنظرة العاشقة، والصورة الجميلة، والأصالة، والهجران، والحسن الباذخ.
ثالثًا: استنتاجات:
ومما مضى يمكن أن نستنتج ما يلي:
(1) أن (مي) و(نجوى) و(فوز) و(بسمة) من النماذج الأنثوية التي اخترناها للدلالة على (الحب الشعري) لدى مطلق الذيابي، يمكن أن تنطبق في رمزيتها ودلالاتها على بقية الأسماء التي ذكرها الشاعر في حبه الشعري (حسانة، إيمان، ردينة، نانا، منى).
(2) أن هذا (الحب الشعري) الذي يبثه الشاعر من خلال تلك الأسماء الأنثوية المحددة تصريحًا أو تلميحًا لها ارتباط كبير بما عرفناه في تراثنا من الشعر العربي المعروف بـ «الغزل العذري»، وهو الغزل العفيف، الغزل الراقي، الغزل الإنساني البعيد عن الجسدية والشهوانية، ويدل على ذلك كثير من النصوص الشعرية التي تنص على العفَّة والطهر من مثل قول الشاعر:
رمزنا الطهر إذا ما ضمنا سر المكان
وعفاف هو للحب سياج وأمان
ص 112
وقول الشاعر:
نظري إليك مع العفاف يميل
ولأنت في القلب النقي نزيل
ص 131
وفي هذا الإطار، يمكن الربط (نقديًا) بين هذه العذرية والعفة التي تؤكدها النصوص الشعرية وبين العنوان الذي اختاره الشاعر لديوانه (أطياف العذارى)!!
(3) أن الملامح الجمالية في هذا (الحب الشعري) سواء أكانت جسدية أم معنوية أم تصورية كلها تفضي إلى أن (العيون) و(النظرات) و(المآقي) وكل ما يشير إلى هذه السمة الجمالية هي المحرك الأساسي لهذا الحب الشعري. ولو رصد الناقد/ القارئ عدد مرات ذكر العيون ومرادفاتها لتأكد من هذا الاستنتاج.
فهو يقول مثلًا:
حسناء إني في هواك متيم عيناك أرجعتا شباب خيالي
ص 11
وقوله:
عينـاك يا أنشـودة الهناء قد زانتا بالسحـر والصفاء
عيناك والأهـداب حيرتني ردت بي الهوى إلى ابتداء
عيناك نبع النور يا نعيمي تألقا في موكـب الضـياء
ص33
(4) أن هذا (الحب الشعري) لم يظهر في حياة الشاعر، ولم يتفجر في الذات الشاعرة إلا في مرحلة (المشيب) وبعد أن ولَّى عصر (الشباب) ولذلك ارتبط هذا الحب بالعفة والوفاء والنضج وعدم الشهوانية الجسدية. وقد تأكد ذلك في كثير من النصوص الشعرية لفمثلًا نجده يقول:
يا نعيمي وفرحتـي وعذابي نظرة منك ضاعفت التهابي
أرجعتني إلى الصـبا أتصبَّى وأناجيك بعد مـوت الشباب
راعني أن زهرة العمر ولت وأتى الشـيب طارقًا أبوابي
ص 59
وأخيرًا يقول:
لم يا رفـاقي شدني حبل الهوى قســـرًا لمن في ناظـريه أذوب
هل بعد أن زار المشيب يعود لي قيد الهوى وضنى النوى وكروب؟
ولعل في هذا الملمح النقدي ما يفسر ارتباط الغزل العذري، والرقي في الحب، والتسامي في معانيه، والعفة والإنسانية، بالمراحل العمرية المتقدمة والقريبة من زمن النضج والشيخوخة/ أو المشيب، وهو ما يؤكده الحب الشعري عند مطلق الذيابي رحمه الله.
رابعًا: جماليات وتجليات:
وبعد هذه السياحة النقدية في مصطلح (الحب الشعري) وشواهده النصوصية، نصل إلى بعض ما في الديوان من جماليات وتجليات وأبرز ما يتميز به الشاعر من تفرد وخصوصيات ويمكن تفصيل ذلك فيما يلي:
أولًا: تشعر وأنت تقرأ الديوان أنك أمام نصوص شاعرية فيها سلاسة وجمال عبارة، وتشبيهات إبداعية وقوافي مبتكرة، وموسيقى أخاذة، فيها الحكم، وفيها الغزل العفيف، وفيها روح الفن والطرب، ولعلِّي هنا أختار مجموعة من الأبيات الجميلة جرسًا، ووقعًا، ومعنىً، وإضافة، وشاعرية.
يقول عن الحب والمشيئة الربانية:
فالحب سهم الله لا يدري متى يرمي به الخلاق حين يشاء
ص 62
ويقول عن الشاعر وعزة النفس:
إنني شـاعر أصـوغ اللآلي لست أرضى لعزتي بالهوان
صغتها فيك لا بغيرك شعرًا من قوافٍ تألقـت بالجمـان
ص 68
ويقول في وصف المحبوبة:
هل تقــرأ شـعري يا أملي إن كنت قـرأت ألا تذكـــر
قد صغـت بسـحرك نابضة من شعري في الثوب الأصفر
في الشفق الأحـمر في خديك وضــوء البـدر إذا أزهـر
في ذوب الـورد بنفِّـــرُه خجــل في الوجنة يتفجـر
ص 85
ويقول في معاني مبتكرة فالكلمات واحدة والمعاني متغايرة:
العين هنالك يا حزني وأنا بالدمع هنا أغرق
والقيـد أراه يكبـلني فلماذا أسموني مطـلق
ص 136
وأختم بأبيات فيها الحكمة والمصداقية والوفاء...
يقول:
أنا إن أراها لحظة بسامة هي في حساب الله عمر ثاني
ص 140
ويقول:
لا لن تـرى مني مـودة عابــث خان المودة فالوفاء خلالي
والصدق في طبعي وحبـك حرزه فتعال يا أنس الحياة تعالي
ص 11-12
ويقول:
الحب صيرك الأديـب الشاعرًا وغدوت في دنياه طرفًا ساهرًا
ما كل شـعر يسـتبيك إذا شـدا إن لم يكن بجوى الأحبـة فائرًا
لا بأس يا قلبي فرد على الأسـى شعرًا يردد في المجالس زاهرًا
ص 44-45
ثانيًا: تشعر وأنت تقرأ الديوان أنك أمام قامة ثقافية ولغوية بارعة تمتلك ناصية البيان وجمال الخط وروعة الأسلوب. والمعلوم هنا أن الديوان كله كُتِب بخط يده. وهو خط رقعي جميل يمتاز بانضباط الخطوط والتشكيل النحوي، ويعتبر هذا الديوان من الآثار المخطوطة المهمة رغم أنه مطبوع ومنشور من قبل النادي الأدبي بجدة عام 1401هـ.
إن جمال الخط وحسن الأسلوب يدلان على مقدرة ثقافية وإبداعية متميزة لا سيما إذا عرفنا أنه لم يكمل دراسة الابتدائية، ولكنه علَّم نفسه، وطوَّر ذاته، وتتلمذ على الإنتاج الفكري والشعري لكبار الأدباء والمثقفين حتى تشكلت ذائقته الشعرية وملكته الموسيقية، وهذا يذكرنا بالأديب الكبير عباس محمود العقاد.
ثالثًا: وأنت تقرأ الديوان يتلبسك (الحب الشعري) فتشعر بأنك تتشكل عاطفيًا مع كل المواقف التي سجلها شعريًا. وتتناص مع الآفاق الإبداعية التي يرسمها صورًا جمالية.
ومع كل هذه التجليات والجماليات، أشعر أن الديوان ينقصه فقط تأرخة وأمكنة النصوص الشعرية، أعني أنه لم يثبت لنا تاريخ كل قصيدة ولا مكانها، وهو بذلك يفتح الزمن أمام القارئ بينما التأرخة والأمكنة تجعل الناقد والقارئ أمام تنامي التجربة الشعرية وتطورها.
وأخيرًا رحم الله الشاعر/ الفنان/ الموسيقار/ الأديب/ المثقف مطلق بن مخلد الذيابي.