• في بعض الأوقات يستعصي فهم هوية المدينة.. وهي في هذا تشترك مع المرأة التي يستعصي فهمها على أعتى العقول.. وكلتاهما تدفع الرجل إلى عشقهما بلا حدود.. فالأولى تجبرك على حبّها حتى الجنون، والثانية تربطك بها برباط حب أبدي.

• وكما أن الاثنتين منهما الذكية التي تحافظ على جاذبيتها طوال سنين عمرها.. ومنهما الساذجة التي لا تعرف أن لها هويتها الخاصة التي من رسوخها التاريخي، وتراكمها الجمالي تمكّنها من الحفاظ على جاذبيتها الدهر كله.

• إستانبول من نوعية المدن التي تعرف تمامًا مكانتها بين قريناتها من المدن عبر التاريخ.. وتدرك مقومات جاذبيتها التي سلبت بها عقول ملايين من البشر طوال أزمنة متعددة.. لهذا عندما أصابتها الشيخوخة لفترة من الزمن بفعل الإهمال عادت إلى رشدها، وتنبهت إلى احتمالية تجاوز الزمن لها، فأجرت جراحة ليس بمشرط مصطنع، بل أصيل كأصالتها وعراقتها هي.. فعادت ساحرة جذابة، وكأن شيئًا لم يمر بها.

• هذه المدينة بإمكانها أن تتحوّل غريبة الطباع والملامح والسلوك، أبت إلاّ أن تكون هي كما هي، بكل تكوينات هويتها المميزة، شرقية عريقة، وغربية معاصرة.. ليس في ازدواجية ممسوخة، كما يحدث مع بعض شقيقاتها الشرقيات، بل في تناسق جمالي أخّاذ حفظ مكوّنها التراثي، وأضفى عليها لمسة عصرية ساحرة.

• في عمق الجزء الغربي منها في القارة الأوروبية، العديد من الأحياء الشعبية التي يتشكّل سكانها من الطبقة الوسطى، أعادت المدينة لها الروح حين أدخلت عليها تحسينات دون المساس بتراثيتها، سواءً البيزنطية، أو الإسلامية.. فتحوّلت مساكن رغم صغر مساحتها إلى فنادق نظيفة، وأنيقة، وبأسعار ليست رخيصة، وبعضها من فئة النجوم الخمسة.. ومساكن أخرى تحوّلت إلى مطاعم تقليدية جميلة، وحوانيت تراثية.

• ولم تنسَ إستانبول مكوّن هويتها الاجتماعية، حيث احتفظت به بطريقة آسرة، وكأن مجتمعها ليس سوى مجتمع ريفي بسيط، تميّزه الألفة والاحترام.. كبار السن، رجالًا ونساءً يملأون شرفات ومداخل وأرصفة الأحياء الشعبية، وكأن الزمن لا يعنيهم في شيء. ولغة التخاطب بين الجميع في أرفع درجاتها.. والملاعب الرياضية للشباب، وصغار العمر الخاصة بكرتي القدم والسلة، توجد في أكثر من مكان، وهي من إنشاء وبإشراف البلدية الفرعية.. وكنت أسكن في فندق يطل على واحد منها.

• أينما تجوّلت، وفي أي جزء من المدينة الآسيوي، أو الأوروبي، كانت تشدني مظاهر ظننتُ أن الزمن نسيها إلى الأبد.. في وسط سوق الأقمشة، ما بين السوق الكبير المغطى، والسوق المصري ينتشر الحمّالة التقليديون الذين ينقلون البضائع من مكان لآخر على ظهورهم.. وبائعو الخضراوات المتجوّلون يتنقلون في معظم الأحياء، تسبقهم أصواتهم المغناة، وبعضهم في سيارة نقل صغيرة.

• إستانبول تقدم اليوم النموذج لكل المدن العربية التي تود تطوير نفسها، والمتمثل في أن التطور لا يعنى أبدًا فقدان الهوية.

فاكس: 6718388 - جدة
aalorabi@hotmail.com

للتواصل مع الكاتب ارسل رسالة SMS
تبدأ بالرمز (10) ثم مسافة ثم نص الرسالة إلى
88591 - Stc
635031 - Mobily
737221 - Zain