Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

وسائل التواصل الاجتماعي.. بين التأثير الإيجابي وساحة الفوضى

A A
لا شكَّ أنَّ وسائل التواصل الاجتماعي تُعدُّ من أعظم المنجزات التي شهدها عصرنا الحديث. فقد اختصرت المسافات، وربطت بين البشر على اختلاف أماكنهم، وجعلت العالم أكثر تقاربًا وانفتاحًا. كما أسهمت في تسهيل تبادل المعرفة والخبرات بسرعة غير مسبوقة، حتَّى أصبحت جزءًا أصيلًا من الحياة اليوميَّة، تلبِّي احتياجات الأفراد وتواكب تطلُّعاتهم في مختلف المجالات العلميَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة وغيرها.
وقبل الخوض في الجانب الآخر، لا بُدَّ من الإشارة -بكلِّ فخرٍ- إلى التزام أبناء وبنات الشعب السعوديِّ بتعليمات القيادة الرشيدة -حفظها الله-، والمستوى الرفيع للحسِّ الأمنيِّ والوعي الذي يتمتع به المجتمعُ.
ومع هذه الإيجابيَّات الكبيرة، تبقى وسائل التواصل -كغيرها من الأدوات الحياتيَّة- تحمل في طيَّاتها جانبًا خطيرًا إذا أُسيء استخدامها. فقد تكون وسيلة بناء، أو أداة هدم، والأمر يعتمد بالدرجة الأولى على وعي المستخدم، وأخلاقه في التعامل معها.
ومن أبرز السلبيَّات التي انتشرت في الآونة الأخيرة -وللأسف طالت حتَّى بعض مَن يُظن فيهم الوعي والثقافة- ظاهرة كشف خصوصيَّات البيوت والأسر. فبعض الأشخاص يصوِّرُونَ أفراد أسرهم دون مراعاة لحرمتهم، أو ينشرُونَ صور المأكولاتِ والمشروباتِ وموائد الضيافة، بل وقد يصل الأمر إلى تجاوزات تمسُّ خصوصيَّة الأفراد بشكل مباشر، في غياب واضح لمفهوم الخصوصيَّة، واحترام الحدود الشخصيَّة. كما أصبح بعضُ الأفراد ينشرُون تفاصيل يوميَّاتهم بشكل مفرط، حتى بات المتابعُ يعرف أدقَّ تفاصيل حياتهم. فلم يعد هناك حاجة للسؤال عن الأحوال عند اللقاء، حتَّى لو طال العهد، ولم يلتقِ أحدهما بالآخر منذ أشهر؛ لأنَّ كلَّ ما يمرُّ به الشخص يُنشر على الملأ. ومن المظاهر السلبيَّة أيضًا انتشار المحتوى الذي يفتقر إلى الهدف أو القيمة، كتصوير لحظات عابرة، أو مشاهد تافهة لا تضيف للمتلقِّي أيَّ فائدة تُذكر. وهنا يبرز التساؤل المنطقي: ما الغاية من هذا النشر؟ وأيُّ قيمة تعود على الآخرين من ورائه؟
إنَّ الاستخدام الواعي لوسائل التواصل يتطلَّب منا التمييز الدقيق بين ما هو شخصي وما هو عام، وبين ما يستحق النشر، وما يُفضَّل أنْ يبقى في دائرة الخصوصيَّة. لا مانع من تخصيص مساحة محدودة لمشاركة بعض جوانب الحياة، شريطة أنْ تحمل فائدة، أو إلهامًا للآخرين. أمَّا على المنصَّات العامة، فيجب أنْ يكون المحتوى هادفًا، يسهم في نشر القيم الإيجابيَّة، وتعزيز الانتماء للوطن، أو يقدم فائدة دينيَّة، أو علميَّة، أو ثقافيَّة تعود بالنفع على المجتمع والوطن.
وفي الختام، تبقى وسائل التواصل الاجتماعي سلاحًا ذا حدَّين؛ فإمَّا أنْ نحسن استخدامها فنرتقي بها وبأنفسنا وبمجتمعنا، أو نسيء توظيفها، فتنعكس آثارها السلبيَّة علينا وعلى مجتمعنا. والاختيار في النهاية بأيدينا.
وتذكَّر -أخي وأختي- قولَ اللهِ تعالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، وقوله تعــالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store