إِذَا مَا الجُرْحُ رُمَّ عَلَى فَسَادٍ
تَبَيَّنَ فِيهِ تَفْرِيطُ الطَّبِيبِ
يختزلُ هذا البيت رُؤية نفسيَّة دقيقة؛ إذ يضع الشاعر يدَه على حقيقةٍ إنسانيَّةٍ رفيعة: ليست كلُّ الجراح تُقَاس بعمقها، بل بكيفيَّة مداواتها. فحين يتعثَّر الالتئام، لا يكون الجرح وحده موضع التساؤل، بل النهج الذي عُولج به، والرِّعاية التي أُحيط بها.
في الحقل النفسيِّ، تتَّخذ الجروح أشكالًا أكثر خفاءً ودقَّةً؛ فهي لا تنزف دمًا، بل تتسرَّب في هيئة خيبات صامتة، وفَقْدٍ غير مستوعَب، وتجاربَ مؤلمة لم تُمنح فرصة الفهم. ومع الزَّمن، لا تندثر هذه الجراح بذاتها، بل قد تترسَّب في العمق، لتظهر لاحقًا في صورة قلقٍ مبهمٍ، أو توترٍ دائمٍ، أو اختلالٍ في أنماط العلاقة مع الذات والآخرِين.
الإشكال لا يكمن في حدوث الألم، فهو جزءٌ أصيلٌ من التجربة الإنسانيَّة، بل في الطريقة التي نتعامل بها معه، ومن زاوية أعمق، فإنَّ كثيرًا من هذه الجروح لا يعيش فقط في الذاكرة، بل في أنماطنا النفسيَّة ذاتها إذ يعيد العقل دون وعي إنتاج الألم عبر تكرار التجارب، أو الانجذاب لعلاقات تُشبه الجرح الأول.
وهنا لا يعود الألم مجرَّد حدثٍ ماضٍ، بل يتحوَّل إلى «نمطٍ داخليٍّ» يُعيد تشكيل إدراكنا لأنفسنا وللآخرين، فنرى العالم من خلال عدسة التجربة القديمة، لا من خلال الحاضر كما هو.
كما أنَّ الجرح غير المُعالَج لا يبقى ساكنًا، بل يبحث عن منافذ للتعبير، فقد يظهر في صورة حساسيَّة مفرطة، أو خوف من القرب، أو اندفاع نحو الكمال كوسيلة دفاعيَّة لإخفاء الشعور بالنقص.
وهذه المظاهر ليست خللًا في الشخصيَّة بقدر ما هي لغة غير مباشرة للألم، حين لم يجد طريقه للتعبير الصحيِّ.
التعافي، في جوهره، ليس محوًا للألم، بل إعادة تأطيره ضمن معنى أوسع، يتيح للنَّفس أنْ تستوعبه، وهو الانتقال من ردِّ الفعل إلى الوعي، ومن الهروب إلى المواجهة المتَّزنة. فالجروح النفسيَّة لا تلتئم بمرور الزَّمن فحسب، بل بنوعيَّة العناية التي نمنحها لأنفسنا.
وفي لحظة صدقٍ هادئةٍ، حين نكفُّ عن التظاهر بالقوَّة، ونسمح لأنفسنا أنْ نشعر... نكتشف أنَّ ما كان يؤلمنا لم يكن ضعفًا، بل كان جزءًا حيًّا فينا، كان ينتظر أنْ يُرى ويُحتوى.
فليس أعظم من إنسانٍ يُداوي نفسه برفق، ويمنح قلبه الإذن أنْ يتعافَى دون استعجالٍ أو قسوةٍ.
مدرِّبة ومستشارة نفسيَّة وعلاقات أسريَّة
د. جمانة محمد خير الببيلي
Dr_jumana_a


