منتدى

التكلف قتل الزيارة

أحمد يحيى البارقي 17 سبتمبر 2026 00:16 دقيقتان قراءة
الآباءُ والأجدادُ فيما مضى كانُوا يقولُون البيت الذي لا يُزار يموتُ دفؤه، أمَّا اليوم فيبدُو أنَّ الزيارة نفسها أصبحت مشروعًا يحتاج إلى دراسةِ جدوى وميزانيَّة مستقلَّة، وربَّما موافقة لجنة تنظيم المناسبات.
صلةُ الرَّحم من أجلِّ القربات، وهي خُلقٌ نبيلٌ قبل أنْ تكون عادةً اجتماعيَّةً بها تتماسك الأسرُ وتصفُو القلوبُ وتُحفظ المودَّة بين الأقارب، لكنَّنا في السنوات الأخيرة شهدنا تراجعًا ملحوظًا في ثقافة الزيارات العائليَّة حتى أصبحت الرسائل الهاتفيَّة والمكالمات السريعة تؤدِّي دور الزيارة الافتراضيَّة، وكأنَّ شاشة الهاتف أصبحت المجلس الجديد.
إذًا مَن هُو المُتَّهم الحقيقيُّ فِي تلك القطيعةِ؟
الإجابةُ المؤلمةُ هُو شيءٌ صنعناه بأنفسنا، ثمَّ اشتكينا من نتائجه، ألَا وهو التكلًّف الاجتماعي. وليس ضيق الوقت الذي يشتكي منه الكثيرُ، فالجميع مشغولٌ منذ أنْ خلقَ اللهُ الدنيا لكنَّ العلاقات كانت أقوى من الانشغال.
فزيارة كانت تبدأ بفنجانِ قهوةٍ، وحديثٍ عفويٍّ أصبحت عند البعضِ تعني إعدادَ مأدبةٍ تكفي حيًّا كاملًا، وترتيب المنزل وكأنَّه يستقبلُ لجنة تفتيش، وشراء أصنافٍ من الحلويات قد لا يلتفتُ إليها الضيفُ أصلًا، وهكذا تحوَّلت الزِّيارة من مناسبة للأُنس إلى عبءٍ نفسيٍّ وماديٍّ، فاختار كثيرُون الاعتذارَ عنها قبل أنْ تبدأ.
الطَّريفُ في الأمر أنَّ الضيف نفسه قد يغادرُ وهو يقولُ يا ليتهم لم يتكلَّفُوا بينما صاحب المنزل يقضي أسبوعًا قبل الزيارة في الاستعداد، وأسبوعًا بعدها في التعافي من آثارها؟
لقد نسينا أنَّ أجمل الزيارات هي أبسطها، وأنَّ أعظم ما يقدِّمه المضيف ليس كثرة الأطباق، بل حُسن الاستقبال، وبشاشة الوجه، وصدق المحبَّة، فالقلوب لا تشبعُ من الطعام، بقدر ما ترتوي من الاهتمام.
والمفارقةُ أنَّ وسائل التواصل التي صُمِّمت لتقريب المسافات، أصبحت عند البعض بديلًا كاملًا عن اللقاء، حتَّى صار إرسال رمزٍ تعبيريٍّ على تطبيق للمحادثات يُؤدِّي -في نظر البعض- واجبَ صِلة الرَّحم، بينما تبقى المصافحةُ والنَّظرةُ والحديثُ المباشرُ والضحكةُ المشتركةُ أشياء لا تستطيع التقنية استنساخها مهما تطوَّرت.
ربما آن الأوانُ أنْ نعيد تعريف الزيارة، فلا نريدها مناسبة للاستعراض، ولا منافسة في الكرم، بل لقاءً بسيطًا يُعيد الحياة إلى العلاقات، ويكسر وحشة الانقطاع، فالرَّحمُ لا تحتاج إلى الولائم، بقدر حاجتها إلى الأقدام التي تمشي إليها.
ولو خُيِّر كثيرٌ من الأقارب بين بيتٍ يستقبلهم بفنجانِ قهوةٍ، وكلمةٍ طيبةٍ، وآخرَ يستقبلهم بمائدةٍ فاخرةٍ لكنَّها تثقل صاحبها بالتكلُّف؛ لاختارُوا الأوَّل بلا تردُّدٍ.

أخبار ذات صلة