وسط الملفَّات الكُبرى التي تقودها وزارة التعليم لتطوير المدرسة والجامعة، وتحسين البيئة التعليميَّة، ورفع جودة المخرجات، ثمَّة ملف أراهُ جديرًا بأنْ ينتقل من دائرة التساؤل إلى طاولة الدِّراسة: الرِّعاية الصحيَّة لمنسوبي التعليم العام. فهل يُعقل أنْ يظل هذا القطاع، بضخامته، واتِّساع رقعته، وأهميَّة رسالته، دون منظومة صحيَّة تخصصيَّة تتناسب مع حجمه؟ أكثر من 700 ألف من المعلِّمين والمعلِّمات، والطلبة، والكوادر الإداريَّة يمثِّلون شريحةً ضخمةً ترتبط مباشرةً بمنظومة التعليم العام، ومع ذلك لا نجد -حتى اليوم- مظلةً طبيَّةً تخصصيَّةً متكاملةً مخصصةً لهم، في الوقت الذي يحظى فيه منسوبُو عدد من الجهات الحكوميَّة بمنظومات صحيَّة راسخة، فضلًا عن المستشفيات، والمدن الطبيَّة التابعة لعدد من الجامعات الحكوميَّة. وهنا يبرز السؤال الذي يستحقُّ الإجابة: لماذا لم تبادر وزارة التعليم إلى دراسة هذا الملف؟ ولا يعني طرح السؤال أنَّ الحل بالضَّرورة هو الشروع غدًا في بناء مستشفى ضخم؛ فالقضيَّة أوسع من مبنى، وأهم من مجرَّد إضافة منشأةٍ صحيَّةٍ جديدةٍ. المطلوبُ أولًا هو دراسة احتياج مئات الآلاف ممَّن يحملون رسالة التعليم، ويتلقونها، ويعملون من أجلها، ثمَّ بناء النموذج الأكثر كفاءة واستدامة لخدمتهم. ومن بين الخيارات التي أرى أنَّها جديرةٌ بالدِّراسة إنشاء مستشفى تخصصي لمنسوبي التعليم العام بكفاءةٍ طبيَّةٍ عاليةٍ، على أنْ يكون نواةً لمنظومةٍ صحيَّةِ تتوسَّع مستقبلًا عبر مراكز تخصصيَّة في مناطق المملكة. لكنَّ هناك خيارًا آخرَ يستحق اهتمامًا أكبر، وقد يكون أسرع في التطبيق، وأقل في الكلفة الرأسماليَّة، وهو دراسة شمول منسوبي التعليم العام بالخدمات الطبيَّة في المستشفيات الجامعيَّة التابعة للجامعات الحكوميَّة، خصوصًا أنَّ الجامعات والتعليم العام يلتقيان تحت مظلَّة وزارة التعليم. ويمكن ألَّا يتوقف الطموح عند العلاج بعد وقوع المرض، بل يمتد إلى الصحَّة الوقائيَّة والمهنيَّة والنفسيَّة. فالمعلِّمُ الذي يقضي سنوات أمام الطلاب، له احتياجات صحيَّة مرتبطة بطبيعة عمله، والمعلِّمة كذلك، والطالب يحتاج إلى الكشف المبكِّر والمتابعة والبرامج الوقائيَّة، فيما يمكن لمنظومة صحيَّة تعليميَّة متخصصة أنْ تبني قاعدة بيانات ودراسات علميَّة حول أكثر المشكلات الصحيَّة انتشارًا في المجتمع التعليميِّ، وتعمل على الوقاية منها قبل تحوُّلها إلى أمراض مزمنة، أو أسباب للغياب والانقطاع. إنَّ أثر هذا المشروع، إنْ دُرس ونُفِّذ بكفاءةٍ، لن يقف عند أبواب المستشفى؛ بل سيصل إلى داخل الفصل الدراسيِّ. فحين يشعر المعلِّم والمعلِّمة بالأمان الصحيِّ، وسهولة الوصول إلى الرعاية الطبيَّة، فإنَّ ذلك يعزِّز الاستقرار الوظيفي، والرِّضا المهني، ويحد من الغياب، وعندما يحظى الطالب بالكشف المبكِّر والرعاية المناسبة فإنَّ الأثر يمتد إلى انتظامه وتحصيله وجودة حياته. وقد يكون النموذج الأمثل مزيجًا من عدة مسارات: الاستفادة من المستشفيات الجامعيَّة القائمة، وإنشاء مستشفى أو مدينة طبيَّة مرجعيَّة للتعليم، وإقامة مراكز صحيَّة تخصصيَّة في المناطق، والاستفادة من القطاع الخاص عبر الشراكات والتأمين أو شراء الخدمات، وربط ذلك كله بمنصَّة موحَّدة للإحالات والمواعيد والطب الاتصالي. وزارة التعليم اليوم تقود تحوُّلًا واسعًا في تطوير رأس المال البشري، والمعلِّم والمعلِّمة في قلب هذا التحوُّل، والطالب هو غايته، والكوادر الإداريَّة شريك أساس فيه. ومن هنا فإنَّ الاهتمام بصحتهم لا ينبغي النظر إليه باعتباره ميزةً وظيفيَّةً إضافيَّةً، وإنَّما بوصفه جزءًا من الاستثمار في الإنسان الذي تقوم عليه العمليَّة التعليميَّة. إنِّني أطرحُ هذا الملف لا بوصفه مطلبًا جاهزَ التفاصيل، وإنَّما بوصفه مقترحًا وطنيًّا يستحقُّ الدراسة: أنْ تشكِّل وزارة التعليم فريقًا متخصصًا يدرس إنشاء منظومة صحيَّة لمنسوبي التعليم العام، ويبحث جدوى إنشاء مستشفى تخصصي لهم، وإمكانيَّة فتح خدمات المستشفيات الجامعيَّة أمامهم، والاستفادة من الشراكة مع القطاع الخاص، ثمَّ يضع أمام صانع القرار البدائل وتكاليفها وعوائدها. حاتم سعد العميري alhatmi-king