عندما انتهيت من قراءة رواية (رصاصة هزت القرية)؛ التي كتبها مؤخراً القاص الأستاذ بخيت طالع الزهراني، والتي تدور أحداثها حول سالم الذي يعيش في قرية الاماجدة في الزمن الماضي، حيث يمتهن الزراعة، وفي ليلةٍ ظلماء وهو يحرس أرضه الزراعية المكتظة بالذرة؛ سمع صوت مشيةٍ بين الذرة؛ فأطلق من بندقيته رصاصةً كانت هي شرارة المصيبة التي اختنق بدخانها ردهًا من الزمن، وهكذا تتواصل أحداث الرواية.. وهنا ابتداءً خلت نفسي أشاهد سهرةً تلفزيونيةً من أثر الماضي التليد، حيث عشتُ مع سالم وزوجاته وأبنائه وكبار القرية من الرجال والنساء؛ أكثر مما توقعت، وقضيت في ردهات قريتي الاماجدة والوهاد أيامًا وليالي، وهنا ألخص جملةً من النقاط حصيلة قراءتي للرواية: - عنوان الرواية حمل غموضًا يشحذ الفضول لقراءتها، فقد وفق الكاتب في الجمع بين زمنين: زمنه وزمن أحفاده الذين يميلون إلى أفلام (الآكشن) في الغالب. - أرى أن الكاتب قد جمع المتناقضات بحبكة درامية، فعلياء وفاطمة زوجتي سالم هما في العرف الاجتماعي جارات تحت قوامة رجل واحد ولا يمكن للجارات أن يتوافقن؛ غير أن الكاتب صنع من مصيبة سالم أرضيةً للتوافق بينهن، ومن الرحلة لقرية الوهاد ارضية أخرى، ومن الخلاص من المصيبة بالدية أرضية ثالثة، ومن المصاهرة أخيرًا أرضية أكثر رسوخًا. - البئر جعلها الكاتب رمزًا للغموض كما هي فعلًا فسالم في آخر الرواية يبدو أنه مات في قاعها كسرّ يفتح الرواية لجزء ثاني ربما. - أما مقتل جمعان ظل لغزًا رغم فرض الدية ومجلس الصلح وأحاديث النسوة والخروج والعودة من القرية، وهنا العقدة التي ظلت حتى بعد انتهاء الرواية، وأخالها ضربة معلم لمسارٍ درامي آخر وبُعدٍ جديد. - جعل الكاتب والروائي بخيت طالع الزهراني من سالم رجلًا صبورًا وحكيمًا وعادلًا وواثقًا وملتزمًا وكريمًا، ولكنه نأى به عن الغدر والخيانة والكذب رغم أنها كانت فرصة له، وهذه أراها احترافية كاتب. - الاستغراق في التفاصيل -رغم تحفظي عليها قليلًا- إلا إنها مفيدة من ناحيتين: أولا: تُقدم للقارئ ثراءً لغويًا هو بحاجة له خصوصًا مع تكرار قراءة الرواية وبالذات الشباب. ثانيًا: تصنع للقارئ جوًا حميميًا مع شخوص الرواية سيما سالم. ثالثًا: هي بمثابة السيناريو الأصيل للقصة من كاتبها الأصلي. رابعًا وهو الأهم: تُقدم معلومات تفصيلية عن حياة الإنسان في الماضي من تفاصيل الحياة اليومية مرورًا بأدوات الزراعة والسقاية والحصاد وانتهاءً بالقيم الاجتماعية والثقافية والدينية العميقة وهذا بمثابة وثيقة كُتبت لأجيال قادمة. - أرى أن رواية (رصاصة هزت القرية) من الروايات التي تُحدِثُ استدامةً معرفية فيما إذا تم تناولها نقديًا وبحثًا أكاديميًا. * أما عن الملاحظات فوددت أن أقول: - بدأت الرواية بانطلاق الرصاصة التائهة في عمق الليل وفزع سالم نحو الجثة وصدمته من صاحب الجثة (جمعان)، وذلك بنظام الفلاش باك، دون الحاجة للفرش الذي كتبه الروائي في البداية، فستكون حينها الرواية أكثر إثارة. - بعد خطبة الابن الثاني لسالم؛ يرفض الأقارب هذا النسب لعدم تكافؤ النسب ويبدأ سالم في عقدة أخرى بعد عقدة الرصاصة، بدلًا من الاستغراق في سرد الأحداث بطريقة توحي للقارئ بالنهاية دون وجود حدث يهزه وكأنه يعرف ما سيحدث. * ختامًا؛ كنت وأنا اتصفح الرواية أراني أمام شاشة التلفزيون أتابع سهرة تلفزيونية بالفعل، وأرجو أن تقولب مثل هذه الأعمال الروائية التراثية في قالب درامي تكون فيلمًا سينمائيًا أو مسلسلًا تلفزيونيًا، وهذا ما يحفظ الإرث الثقافي والادبي والاجتماعي في أرشيف الدراما، وهنا أُهنئ الكاتب والقاص والروائي الأستاذ بخيت طالع الزهراني على هذا العمل الأدبي الرفيع، وأتطلع لجزء ثاني للرواية.