منتدى

كلية التعدين.. التكامل لا يلغي التخصص

أ.د. بدر بن عبده حكمي* 17 سبتمبر 2026 12:00 3 دقائق قراءة
أثار التحول من «كلية علوم الأرض» إلى «كلية التعدين» بجامعة الملك عبدالعزيز نقاشاً أكاديمياً نقدّره ونرحب به حول مستقبل تخصصات علوم الأرض. والحكم المنصف يتطلب التمييز بين المسمى والهيكل الإداري والتخصص العلمي؛ فالاسم يعبّر عن الرسالة، والهيكل الإداري ليس البرنامج الأكاديمي، والقسم ليس مرادفاً للتخصص.
يعكس المسمى الجديد رسالة استراتيجية مواكبة لرؤية المملكة 2030، ضمن شراكة استراتيجية مع وزارة الصناعة والثروة المعدنية، ولا يعني إلغاء علوم الأرض أو تهميشها؛ فنطاق الكلية العلمي تحدده برامجها ومناهجها وأبحاثها وخبرات أساتذتها.
ولا يمكن بناء كلية تعدين عالمية دون علوم أرض قوية؛ فالجيولوجيا والجيوفيزياء والجيوكيمياء أساس للاستكشاف، والمعادن والصخور والتراكيب لفهم الرواسب، وجيولوجيا المياه والبيئة للإدارة المستدامة. والتحول يوسع المنظومة لتجمع علوم الأرض والجيوفيزياء وهندسة التعدين، من فهم الأرض واستكشاف مواردها وتقييمها إلى استخراجها ومعالجتها وإدارتها المستدامة، مع استمرار دراسة المياه والبيئة والمخاطر الطبيعية.
ودمج الأقسام السابقة في قسم «علوم الأرض والجيوفيزياء» لا يلغي الجيولوجيا الاقتصادية وجيولوجيا المياه والجيولوجيا الهندسية والمعادن والصخور والرسوبيات والتراكيب والجيوكيمياء. فقوة التخصص تقاس بجودة تعليمه وتميز باحثيه وتطور مختبراته ودراساته العليا وأثره العلمي والوطني، وتستمر فروعه بالمقررات والمشروعات والمجموعات البحثية المتخصصة.
تستند رؤيتنا للبكالوريوس إلى بناء جيولوجي بقاعدة علمية متكاملة، وجيوفيزيائي بتأهيل علمي ومهني متين، مع التعمق التدريجي بالمقررات الاختيارية ومشروعات التخرج.
وكانت الكلية تقدم سنتين مشتركتين تشملان متطلبات الجامعة والعلوم المساندة والمقررات التأسيسية، قبل الانتقال إلى برامج الأقسام السبعة. وجاء تقييمنا، المستند إلى أفضل الممارسات العالمية، بأن القاعدة الجيولوجية المشتركة تحتاج إلى تعزيز؛ فاتجهنا إلى برنامجين في الجيولوجيا والجيوفيزياء يوازنان بين الفروع الأساسية والمتقدمة طوال البكالوريوس.
فالجيولوجي يحتاج معرفة مترابطة بالصخور والمعادن والرسوبيات والطبقات والتراكيب والجيوكيمياء والموارد والمياه والبيئة، تسندها الممارسة الحقلية وتؤهله للتخصص لاحقاً بعمق.
وتوضح تجربتا جامعة أستراليا الغربية وإمبريال كوليدج لندن رسوخ هذا التوجه؛ إذ تجمعان فروع الجيولوجيا الأساسية والتدريب الحقلي، وتتيحان التعمق دون إفراد كل فرع ببرنامج مستقل. ولا يعني ذلك نموذجاً واحداً ملزماً، بل يؤكد قيمة التأسيس الواسع والتخصص التدريجي. فالبكالوريوس يؤسس الهوية العلمية، والدراسات العليا والبحث يعمقان التخصص في مجالات كالاستكشاف والمياه والجيولوجيا الهندسية والصخور والجيوكيمياء وجيولوجيا البترول.
وتقدم مبادرة Earth 2.0 بجامعة كولورادو للمناجم مثالاً تنظيمياً يجمع خبرات علوم الأرض والهندسة، مع استمرار الدرجات الأكاديمية القائمة والصرامة العلمية والتعليم التطبيقي؛ بما يوضح إمكان صون التخصصات وتوسيع التعاون بينها.
وإعادة الهيكلة لا تغير الهوية العلمية لأعضاء هيئة التدريس؛ فالمتخصص يحتفظ بخبرته، ويمكن للمظلة المشتركة تقليل الحواجز وتيسير تشكيل الفرق البحثية وتبادل الأدوات والمنهجيات والإشراف المشترك على طلبة الدراسات العليا.
فمشروعات الاستكشاف المعدني تحتاج تضافر تخصصات متعددة؛ والمطلوب ترجمة تنوع الخبرات إلى فرص تعليمية وبحثية أوسع، وقدرة على معالجة مشكلات تتجاوز حدود التخصص المنفرد. وبذلك يصبح التكامل وسيلة لتعزيز العمق وتطبيق المعرفة.
نريد جيولوجياً متكامل المعرفة، وجيوفيزيائياً متميزاً، ومهندس تعدين يتكامل معهما، وباحثين قادرين على العمل عبر التخصصات.
ولن يقاس النجاح بالاسم وعدد الأقسام، بل بجودة الخريجين والبرامج والأبحاث، وتميز الأساتذة والمختبرات والشراكات العالمية والصناعية، والإسهام في التعدين والمجالات الجيولوجية. ويجب أن يتجسد التطوير في الخطط الدراسية والتدريب الحقلي والمخبري وفرص البحث والتخصص.
إن إرث علوم الأرض موضع اعتزازنا؛ نبني عليه استجابةً للتحولات الوطنية، ونوسع أثره التعليمي والبحثي والتطبيقي بمنظومة تجمع علوم الأرض والجيوفيزياء وهندسة التعدين لخدمة مستقبل المملكة.
* عميد كلية التعدين – جامعة الملك عبدالعزيز

أخبار ذات صلة