منتدى

ما لا يعرفه أبناؤنا

د. عبدالقادر سامي حنبظاظة 17 سبتمبر 2026 12:15 4 دقائق قراءة
قبل أيامٍ أيقظتنا إنذاراتُ الهواتفِ في الرَّابعة والنصف صباحًا، قبل الفجر بدقائق.
دخلتْ عليَّ ابنتي مذعورةً وقالت: «بابا... يوم القيامة جا؟»
أعادني صوت الإنذار في لحظةٍ إلى طفولتي، إلى حرب الخليج، وإنذاراتها، والاستعدادات التي كانت تأتي معها. أمَّا ابنتي، فلم يأخذها الصُّوت إلى حرب.
ابتسمتُ وقلتُ لها: «الحمدُ لله، رُوحي نامي يا بنتي... لا تخافي. للبلد ربٌّ يحميها، ثمَّ أعينٌ ساهرةٌ لا تنام».
لم تنم. لكنَّ الصباح جاء، وذهبت إلى مدرستها. استقبلت المدرسة طلابها، وذهب النَّاسُ إلى أعمالهم، ومضى اليوم.
ثمَّ جاء إنذارٌ آخر. كانت ابنتي هذه المرَّة في المدرسة، وبعده وصلت رسالة إلى الأهالي تطمئنهم على أبنائهم.
توقَّفت عند المشهد. أنا سمعتُ الإنذار، فعاد بي إلى حرب الخليج. وابنتي سمعت الصوتَ نفسه، فسألت عن يوم القيامةِ.
لم تكن ذاكرتي يومها ذاكرة غيابٍ للأمن. فقد كنتُ، أنا أيضًا، طفلًا في وطن يحرسه رجاله، وتعمل مؤسساته. لكنَّها كانت ذاكرة جيل عرف أنَّ الخطر قريب، وسمع صوته، وتعلَّم كيف يستعد له.
أمَّا ابنتي، فسمعت الإنذار بعد عقودٍ، ولم تجد في ذاكرتها حربًا تستدعيها.
أنا ورثتُ الأمن، ومعه ذاكرة الخطر. وهي ورثت الأمن من دون أنْ يصبح الخطر جزءًا من ذاكرتها. وهنا خطرَ لي أنَّ للدول مقياسًا لا يظهر كثيرًا في تقارير التنمية.
نقيس ما أضافته: طرقًا، وجامعاتٍ، واقتصادًا، ومدنًا. وهناك ما يستحقُّ أنْ نقيسه أيضًا: ما الذي استطاعت أن تحذفه من حياة الإنسان؟
الخوف من الطريق. الخوف من ضياع الحقِّ. الخوف من الغد.
ومع امتداد الاستقرار عبر الأجيال، قد يحدث ما هو أعمق: يبقى الخطر معروفًا لدى مَن يتولَّى مواجهته، من دون أنْ يصبح الخوف طريقة حياة لمن يعيش تحت حمايته.
وهذا يغيِّر علاقة الإنسان بالمستقبل. فالإنسان حين يخاف، يقصر أفقه. خطة عشر سنوات تصبح خطة شهر، والسؤال: ماذا سأبني؟ يتحوَّل إلى: هل سأكون هنا غدًا؟
وحين يأمن، يتَّسع الزمن أمامه.
يدرس الطالب سنوات لثمرة لم يقطفها بعد. تشتري الأسرة منزلًا وتتخيل أبناءها فيه بعد عشرين عامًا. يضع المستثمر أمواله في مشروع لن يستردها غدًا. وتبني الدولة لعقود لم تأتِ بعد.
كلهم يفعلُون شيئًا واحدًا: يثقُون في الغد.
ولهذا يلفتني ترتيب دعاء إبراهيم -عليه السلام-: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ﴾
الأمن أولًا. ثمَّ الرزق. فالطمأنينة إلى الغد تفتح الطريق للعمل، والعمل يصنع العمران. ومن هذا المعنى يمكن أنْ نقرأ تاريخ الدولة السعودية.
منذ تأسيس الدولة السعودية الأُولى في الدرعيَّة على يد الإمام محمد بن سعود، ظل الأمن والاستقرار في قلب بناء الدولة. وتعاقبت مراحلها حتَّى استعاد الملك عبدالعزيز -رحمه الله- الرِّياض، ووحَّد البلاد، وأُعلنت المملكة العربيَّة السعوديَّة عام 1932م. ثلاثة قرون لم تكنْ طريقًا بلا أخطار أو أزمات. وتلك هي النقطة.
قيمة الأمن لا تظهر في غياب الخطر من التاريخ، وإنَّما في قدرة الدولة على مواجهته، وحماية حياة الناس من أنْ تتحوَّل معه إلى حياة يحكمها الخوف.
ومع تعاقب الأجيال، تصبح أشياء احتاجت يومًا إلى صناعة وحماية جزءًا من الحياة التي نعدها اليوم عاديَّةً.
وهذه مفارقة الأمن: كلَّما اشتدَّ حضوره، قلَّ شعورنا بما يعمل خلفه.
ننام، بينما آخرُون لا ينامُون. نستيقظ، فنجد الطريقَ مفتوحًا، والمدرسةَ تعملُ، والمستشفَى يستقبلُ، والمطارُ يعملُ، والحياةَ تمضِي. نسمِّي ذلك «يومًا عاديًّا». لكنَّ اليوم العادي ليس شيئًا قليلًا.
أنْ يقلق الطالب من اختباره، ويتذمَّر الموظَّف من الزحام، ويختلفُ الأبناء على وجبة العشاء، وتخطط الأسرة لإجازتها المقبلة؛ كلها تفاصيل تعني أنَّ الإنسان يستطيع أنْ ينشغل بالحياة؛ لأنَّ هناك من يحمل عنه عبء الخوف عليها.
هذه هي الحياة التي صُنع الأمن من أجلها.
وهذا ما حدث مؤخرًا.
بين الإنذار الذي أيقظ ابنتي في الرابعة والنصف صباحًا، والإنذار الآخر وهي في مدرستها، كانت هناك أعين ساهرة لا تنام، ومؤسسات تستعد، ورجال ونساء يؤدُّون أعمالهم.
ثم وصلت رسالة المدرسة: أبناؤكم بخير.
كم تبدو الجملة عاديَّةً. وكم تقفُ خلفها أشياء حتى تبقى عاديةً.
عندها عدتُ إلى السؤال الذي بدأ به صباحي: «بابا... يوم القيامةِ جا؟»
صوت واحد مرَّ بذاكرتين. في ذاكرتي وجد حرب الخليج. وفي ذاكرتها لم يجد حربًا. لا صورة تستدعيها. لا حقيبة طوارئ تعرف مسبقًا ماذا تضع فيها. لا طريق إلى ملجأ حفظته من قبل.
كانت طفلة أمام صوت مخيفٍ لا تعرفه، فذهبت بخيالها إلى أبعد شيء تعرفه: يوم القيامة.
وهنا فهمت معنى آخر لما تورِّثه الدول لأبنائها.
نرى ما نورِّثهم إيَّاه: وطنًا، ومؤسَّسات، ومدارسَ، وطرقًا، وفرصًا.
وهناك ميراثٌ لا نراه: ذكريات لم تتكوَّن. مخاوف لم تصبح جزءًا من طفولتهم. وأشياء نجحت هذه البلاد، -بفضل الله- في ألا تجعلهم يعيشونها.
وفي اليوم الوطني السادس والتسعين، وجدتني أقرأ المناسبة من نافذة أوسع من ستة وتسعين عامًا.
فالمملكة التي نحتفي بتوحيدها اليوم، امتداد لتاريخ دولة بدأت في الدرعيَّة قبل ثلاثة قرون، وتعاقبت أجيالها، وهي تبني وتحمي وتورث من بعدها دولة أكثر قدرةً على حمل أعباء الأمن عن حياة النَّاس.
وربما لهذا اختصرت لي ابنتي معنى طويلًا في سؤال قصير.
أنا سمعتُ الإنذار، فوجدتُ في ذاكرتي شيئًا من طفولتي. وهي سمعت الإنذارَ نفسه، فلم تجدْ في طفولتها ما يشبهه.
فعدتُ إلى الجملة التي قلتها لها قبل الفجر: الحمدُ لله... رُوحي نامِي يا بنتي. لا تخافِي. للبلد ربٌّ يحميهَا، ثمَّ أعينٌ ساهرةٌ لا تنام.
ولعلَّ من أجمل ما وهبَ اللهُ هذه البلاد عبر أجيالها... أنَّ أبناءنا يعرفُون الخطر خبرًا، ولا يحملُونه ذاكرةً.

أخبار ذات صلة