هل تبحث بعضُ البرامج عن أفضل ضيفٍ للفكرة، أم تبحث عن فكرةٍ تناسب الضَّيف الذي تعرفه؟ قد يبدُو السؤال عابرًا للإعلاميِّ الكسول، لكنَّه يستحقُّ أنْ يُطرَح بجديَّة في غُرف إعداد البرامج التلفزيونيَّة والإذاعيَّة، خصوصًا مع تكرار الأسماء ذاتها على الشَّاشات والميكروفونات، إلى درجة أصبح معها المُشاهد -في بعض الأحيان- يعرفُ ضيف الحلقة قبل أنْ يعرف موضوعها، ويعرفُ المحطَّة بضيوفهَا أكثر ممَّا يعرفها بفريق عملها. لا مشكلة في أنْ يتكرَّر الضَّيفُ إذا كان صاحب اختصاصٍ حقيقيٍّ، أو يمتلك تجربةً جديدةً، أو أنَّ القضيَّة المطروحة تتطلَّب حضوره؛ لأنَّه من أكثر المختصِّين بها إلمامًا ومعايشةً. وقد يكون تكرار الضَّيف مفهومًا في البرامج السياسيَّة؛ لحساسيَّة بعض الملفَّات، وفي البرامج الرياضيَّة؛ لخصوصيَّة بعض القضايا، لكنَّ المشكلة تبدأ حين يتحوَّل الاستثناءُ إلى قاعدةٍ، والاختيارُ المهنيُّ إلى عادةٍ إنتاجيَّةٍ تضرُّ بصورة المحطَّة، أو القناة. المشكلة ليست في تكرار الاسم بحد ذاته، وإنَّما في أنْ يتحوَّل التكرارُ إلى منهجٍ في صناعة المحتوى، حين تصبح قائمةُ الأسماء المحفوظة لدى المُعد أقصر من مساحة الأفكار التي يُفترض بالبرنامج أنْ يناقشها. وحين يصبح الضَّيفُ الجاهزُ، والجهدُ الضَّعيفُ، والعلاقاتُ الشخصيَّةُ، عواملَ أكثر تأثيرًا في الاختيار من قيمة الموضوع، وكفاءة المتحدِّث. الإعلامُ الجيِّد لا يقومُ على سهولة الوصول إلى الضَّيف، وإنَّما على جودة اختياره. وقد يكون الضَّيفُ المعروفُ خيارًا آمنًا؛ رقمه محفوظٌ، يردُّ سريعًا، يعرفُ طبيعة البرنامج، ويجيدُ الحديث أمام الكاميرا أو الميكروفون. لكنْ هل يعني ذلك أنَّه الأفضلُ دائمًا؟ بالتأكيد.. لا. وعلى الوسائل الإعلاميَّة، في المقابل، مسؤوليَّة مهنيَّة تجاه جمهورها، تتمثَّل في تقديم وجوهٍ جديدةٍ، وخبراتٍ متنوِّعةٍ، ومساحاتٍ أوسعَ للتجارب والأفكار، بما يُثري المشهد الإعلاميَّ، ويمنح الجمهور تنوُّعًا معرفيًّا حقيقيًّا. الخيارُ السَّهل في استدعاء المتحدِّثين والضُّيوف يحجبُ عشرات، وربما مئات، الكفاءات من الأكاديميِّينَ، والمفكِّرِينَ، والباحثِينَ، والمُمارسِينَ، وأصحابِ التجاربِ الذين يمتلكُونَ أفكارًا مختلفةً، لكنَّهم لم يحصلُوا على فرصةٍ حقيقيَّةٍ للظهور. وهنا لا يخسرُ هؤلاء فرصةً إعلاميَّةً فحسب، بل يخسرُ الجمهورُ رأيًا جديدًا، وزاويةً مختلفةً، وربَّما فكرةً أكثر تأثيرًا. وفي المقابل يظهرُ هنا دورُ المُعدِّ الحقيقيِّ، الذي يحملُ أمانته الإعلاميَّة لتقديم الأفضل لوسيلته، ورسالته الإعلاميَّة، ومجتمعه. المُعدُّ المحترفُ لا تتمثَّل مهمَّته في أنْ يجدَ ضيفًا للحلقة، بل في أنْ يجد أفضلَ شخصٍ يمكنُه أنْ يضيفَ إلى الحلقة. والفرق بين المهمَّتين هو الفرق بين إعدادٍ تقليديٍّ يملأ ساعة البثِّ، وإعداد يصنعُ محتوًى يستحقُّ أنْ يُشاهَد ويُسمَع. المسؤوليَّة لا تتوقَّف عند المُعدِّ نفسه؛ مهما صغر أو كبر دوره، بل إنَّ الإدارة التحريريَّة مطالبةٌ بأنْ تسأل نفسها، بشكلٍ دوريٍّ: كم وجهًا جديدًا اكتشفنَا؟ وكم خبيرًا شابًّا منحنَاه فرصةً؟ وكم تجربةً مختلفةً قدَّمناهَا للجمهور؟ وهل ضيوفُنا يتغيَّرُونَ فعلًا، أم أنَّنا نعيدُ تدوير الأسماء والأفكار ذاتها؟ القنواتُ التي تريدُ صناعة إعلام مؤثِّر، تحتاج إلى بنوكٍ حقيقيَّةٍ للخبراء والضُّيوف، وإلى معايير تقيسُ التنوُّع والتَّجديد، وإلى تشجيع المُعدِّين على البحث والاكتشاف، لا مكافأتهم فقط على سُرعة إنجاز الحلقة. والأهم أنْ ندركَ أنَّ شهرةَ الضَّيف ليست بالضرورة قيمة مضافة، كما أنَّ عدم شهرته لا يعني ضعف قدرته. أحيانًا يكون أفضل ضيفٍ هو الشَّخص الذي لم يظهر كثيرًا؛ لأنّه يأتي بفكرةٍ لم يسمعها الجمهورُ من قبل، أو بخبرةٍ لم تجد طريقها إلى الشَّاشة، أو بزاويةٍ مختلفةٍ لقضيَّة ظنَّ النَّاسُ أنَّهم سمعُوا عنها كلِّ شيءٍ. فالضيفُ ليس هو المحتوى، كما أنَّ شهرة الاسم ليست بديلًا عن جودة الفكرة. رسالتِي إلى القائمِينَ على القنوات التلفزيونيَّة والإذاعيَّة بكلِّ بساطة؛ لا تجعلُوا العلاقة الشخصيَّة، أو سهولة الاتِّصال، أو شُهرة الاسم، تختصرُ عليكم مهمَّة البحث. افتحُوا الأبواب أمام أصواتٍ جديدةٍ، واخرجُوا من دائرة الضُّيوف المُعتادة، وابحثُوا عن العقول قبل الأسماء، وعن الخبرةِ قبل الشُّهرة، وعن الفكرة قبل الظُّهور. الإعلامُ الذي يكرِّر ضيوفَه باستمرار، قد يكون سهل الإنتاج، لكنَّه ليس بالضرورة إعلامًا متجدِّدًا. والضَّيفُ ينبغي أنْ يكون خادمًا للفكرة، لا أنْ تصبح الفكرةُ مجرَّد ذريعةٍ لاستضافة الضَّيف. وهذه ليست دعوةً إلى إقصاء الأسماء المعروفة، وإنَّما دعوة إلى توسيع دائرة المعرفة، وتجديد الخطاب، ومنح الجمهور حقَّه في أنْ يسمعَ أصواتًا جديدةً تستحقُّ أنْ تُسمَع. فالسؤال الذي ينبغي أنْ يسبق كل حلقة ليس: مَن الضَّيف الذي نستطيع الوصول إليه؟ بل: مَن الضَّيف الذي يستحقُّ أنْ يسمعه الجمهورُ؟