تواجه الكفاءات الشَّريفة معضلة أخلاقيَّة في بعض بيئات العمل والإدارة: فهي غالبًا تتردَّد في التنافس على المناصب، وتتجنَّب مواقع القرار، ومسؤولية تقييم النَّاس، وضبط الأنظمة؛ خشية الصراع، أو التورُّط في الظلم، أو إساءة استعمال السلطة. لكن المشكلة أنَّ الفراغ يملأه غالبًا أُناسٌ أقل كفاءة ونزاهة، فيصبح الشرفاءُ أنفسهم عرضةً للغبن، ويقعُون تحت سلطة مَن لا يملك ما يكفي من المروءة أو الفهم. إنَّها مهزلة فعلًا. نحنُ نعيشُ في زمنٍ تتوافر فيه وسائل التَّصوير والتَّسجيل والتَّدوين والحِفظ الآني، ومع ذلك يصعب في كثير من الأحيان التحقُّق من خبرٍ حاضرٍ بكلِّ تفاصيله. تتعدَّد الرواياتُ، وتختلطُ المصالحُ بالوقائع. فكيف باللهِ نطمئنُ تمامًا إلى أحداث وقعت قبل قرون، لم نشهدها، ورُويت ثمَّ دُوِّنت بعد زمن طويل؟ لعل التاريخ مجرَّد مهزلة كبيرة، لا أدري!. والأعجب أنَّ الإنسان لا يبدأ في فهم الحياة حقًّا؛ إلَّا بعد أنْ يقطع منها شوطًا كبيرًا. يتعلَّم من أخطائه، ويعرف ما يناسبه، ويميِّز بين ما يستحق وما لا يستحق. وحين يكتمل بعض هذا الفهم، يكون قد اقترب كثيرًا من نهايته بالموت. تلك مهزلة صادمة، ومفارقة قاسية في طبيعة الحياة. وفي العلاقات الحميمة، يكون الشخص الأقرب هو الأقدر على جرحنا؛ لأنَّنا نكشف له ضعفنا ومشاعرنا، ونمنحه ثقة لا نمنحها للآخرين. ولهذا يأتي أذاهُ مفاجئًا وعميقًا، ويصعب جدًّا التعافي منه سريعًا.. أليست هذه مهزلة أيضًا؟. ومع كل ما يُعانيه البشر من ألمٍ وفقدٍ وخوفٍ، لا يصبحُون بالضرورة أكثر رحمة ببعضهم. بل المهزلة تكمنُ في أنَّهم قد يتفنَّنُون في الإساءة والتنمُّر والقسوة، وكأنَّهم لم يتعلَّموا من آلامهم إلَّا كيف ينقلونها إلى الآخرين. اختيار خاطئ واحد فقط، قد يُغيِّر مسار سنوات لبقيَّة العمر: علاقة لا تناسبنا، أو قرار متسرِّع، أو طريق لا يشبهنا. وتبقى النتائج أحيانًا طويلةً ومؤلمةً، ويصعب التراجع عنها.. يا لها من مهزلة موجعة. على العموم، يمنحنا غالبًا التقدُّم في العمر هدوءًا مختلفًا: أنْ نفهم أنَّ الحياة ليست عادلة دائمًا، وأنَّ فيها كثيرًا من العبث، لكنَّنا نستطيع أنْ نعيشها بقدرٍ أكبر من الفهم والرَّحمة والواقعيَّة، وكما يُقال: استمتع في لعبة الحياة، لا يُوجد وقت!.