كتاب

في يوم الوطن.. الأمن أساس والاقتصاد قوة والمستقبل طموح

د. عبدالله صادق دحلان 20 سبتمبر 2026 23:36 4 دقائق قراءة
يأتي اليومُ الوطنيُّ للمملكة هذا العام، ونحنُ لا نستعيدُ فقط ذكرى توحيد وطنٍ عظيمٍ، على يد المؤسِّس الملك عبدالعزيز آل سعود -طيَّب اللهُ ثرَاهُ- وإنَّما نتوقَّف أمام مسيرةِ دولةٍ استطاعت أنْ تنتقل -خلال عقود- من مرحلة التََّسيس إلى بناء اقتصادٍ حديثٍ، ومؤسساتٍ قويَّةٍ، وبنية تحتيَّةٍ متطوِّرةٍ، وأنْ تدخل اليوم مرحلةً جديدةً عنوانها: تنويع الاقتصاد، والاستثمار في الإنسان، والاستعداد للمستقبل.
وفي اعتقادي أنَّ أجمل احتفال بالوطن، هو أنْ نقرأ منجزاتِهِ بلغة الأرقام والحقائق، وأنْ ندرك في الوقت نفسه أنَّ المحافظة على هذه المنجزات لا تقلُّ أهميَّةً عن تحقيقها.
ومن أهمِّ النعم التي أنعم اللهُ بها على المملكة، نعمةُ الأمن والاستقرار، والأمنُ ليس قضيَّة اجتماعيَّة فقط، بل هو أصلٌ اقتصاديٌّ لا يُقدَّر بثمن؛ فلا استثمار بلا أمن، ولا سياحة بلا أمن، ولا يستطيعُ رأسُ المال أنْ يستقر في دولة تفتقد الطمأنينة والاستقرار.
ولهذا فإنَّ ما حققته المملكة في بناء منظومة أمنيَّةٍ حديثةٍ، والاستثمار في التقنية ومراكز العمليَّات الموحَّدة، وحماية الحدود، ومكافحة الجريمة، والإرهاب، والمخدِّرات، يمثِّل جزءًا أساسًا من البناء الاقتصاديِّ للدولة.
كما أنَّ الاستقرار السياسيَّ والمؤسسيَّ الذي تتمتعُ به المملكةُ، أصبح عنصرًا مهمًّا في قدرتها على التخطيط لعقودٍ مقبلةٍ، في وقت تعيشُ فيه منطقتُنا، والعالمُ تحوُّلاتٍ سياسيَّةً واقتصاديَّةً وأمنيَّةً متسارعةً.
لقد ظلَّ النفطُ لعقودٍ «العمود الفقري للاقتصاد السعوديِّ»، وسيبقى ثروة إستراتيجيَّة مهمَّة، لكن التحوُّل الحقيقي الذي نشهدُه اليوم يتمثَّل في بناء اقتصادٍ لا يعتمد على النفط وحده.
وتشيرُ أحدثُ تقارير صندوق النَّقد الدوليِّ إلى أنَّ الاقتصاد السعوديَّ دخل عام 2026 بزخمٍ قويٍّ، بعد أنْ نما الناتجُ المحليُّ الإجماليُّ الحقيقيُّ بنحو 4.6% خلال عام 2025، مدعومًا بقوَّة النشاط غير النفطيِّ، والطلب المحليِّ.
ولعلَّ الأهم أنَّ صندوق النقد أشاد بالتقدُّم الذي تحقَّق خلال عشر سنوات من رُؤية السعوديَّة 2030، مؤكِّدًا أنَّ الإصلاحات ساهمت في تعزيز الاقتصاد غير النفطيِّ، وتوسيع دور القطاع الخاص، وتحسين نتائج سوق العمل، ودفع عمليَّة التَّنويع الاقتصاديِّ، وهذا -بالنسبة لي- أحدُ أهمِّ التحوُّلات في تاريخ اقتصادنا الحديث.
فالمملكةُ اليوم، تستثمرُ في السِّياحة، والصِّناعة، والتَّعدين، والخدمات اللوجستيَّة، والتَّقنية، والطَّاقة المتجدِّدة، والتَّرفيه، وتعمل على تحويل موقعها الجغرافيِّ المتميِّز إلى مركزٍ عالميٍّ للتجارة والنقل والخدمات.
لكنَّ قوَّة الدول لا تُقاس بما تحقِّقه في سنوات الرَّخاء فقط، وإنَّما بكيفيَّة تعاملها مع الأزمات.
وقد مرَّ العالمُ والمنطقةُ، خلال السنوات الأخيرة بأزماتٍ متلاحقةٍ، من جائحة كورونا، إلى اضطراباتِ الاقتصادِ العالميِّ، ثمَّ الحروب والتوتُّرات الجيوسياسيَّة، واضطراب حركة التجارة والملاحة والطَّاقة.
وفي عام 2026 -تحديدًا- واجهت المنطقة اضطرابات أثَّرت في حركة الشَّحن عبر مضيق هرمز، والتجارة، والصادرات النفطيَّة، وهنا ظهرت أهميَّة التخطيط الإستراتيجيِّ السعوديِّ السَّابق للأزماتِ.
فقد أكَّد صندوقُ النَّقد الدولي -في تقريره الصادر في يوليو 2026- أنَّ الاقتصاد السعوديَّ أظهر قدرةً على الصمود أمام هذه الاضطراباتِ؛ بفضل قوَّة أساسيَّات الاقتصاد، وتنوُّع البنية التحتيَّة النفطيَّة واللوجستيَّة.
وهذه ليست مجرَّد قضيَّة نفطيَّة، وإنَّما درس اقتصاديٌّ مهمٌّ: الدول الحكيمة تبني البدائل قبل أنْ تحتاج إليها.
لقد مرَّ الآن عقدٌ كاملٌ منذ إطلاق رُؤية المملكة 2030، وأعتقدُ أنَّ من الإنصاف، ونحنُ نحتفلُ بيوم الوطن، أنْ ننظر إلى الرُّؤية باعتبارها مشروعَ تحوُّلٍ وطني شامل، وليس مجموعةً من المشروعات العمرانيَّة الضخمة فقط.
لقد غيَّرت الرُّؤية الكثير من المفاهيم الاقتصاديَّة والإداريَّة؛ فارتفع الاهتمام بكفاءة الإنفاق، وتعزَّز دور القطاع الخاص، وتوسَّعت مشاركة المرأة في سوق العمل، ونمت قطاعاتٌ اقتصاديَّةٌ جديدة، وتسارعت الخدماتُ الحكوميَّة الرقميَّة، وأصبح الاستثمارُ في السِّياحة والثَّقافة والتَّرفيه والرِّياضة جزءًا من الاقتصاد الوطنيِّ.
والأهم أنَّ المواطن الشَّاب أصبح في قلب هذا التحوُّل؛ لأنَّ المملكة أدركت أنَّ أعظم ثرواتها ليس فقط ما يوجد تحت أرضها، وإنَّما الإنسان الذي يعيشُ فوقها.
إنَّ إدارة دولة بحجم المملكة، ومكانتها السياسيَّة والدينيَّة والاقتصاديَّة، وسط منطقةٍ شديدة التعقيد، تحتاج إلى التَّوازن بين الطموح والواقعيَّة، وبين الإنفاق والاستدامة الماليَّة، وبين سرعة التَّنمية والمحافظة على الاستقرار.
فليس المطلوب أنْ نقول إنَّ كلَّ شيءٍ قد اكتمل؛ بل قوَّة أيِّ تجربة تنمويَّة تكمنُ -أيضًا- في قدرتها على المراجعة والتَّصحيح؛ وإعادة ترتيب الأولويَّات عندما تتغيَّر الظروف.
وفي اليوم الوطنيِّ، أتذكرُ دائمًا أنَّ الوطنيَّة ليست كلمةً نقولها في مناسبة، ولا عَلمًا نرفعُه يومًا واحدًا، وإنّما مسؤوليَّة نمارسها كل يوم.
الموظفُ الذي يتقنُ عمله يخدم وطنه، والمعلِّمُ الذي يخلصُ في تعليم أبنائنا يخدم وطنه، ورجلُ الأعمال الذي يستثمرُ ويوظفُ أبناء الوطن يخدم وطنه، والمسؤولُ الذي يحافظُ على المال العام يخدم وطنه، والمواطنُ الذي يحافظُ على أمن بلاده ومكتسباتها يخدم وطنه.
لقد أسَّس الملك عبدالعزيز -رحمه الله- دولةً عظيمةً، وحمل أبناؤه الملوكُ من بعده مسؤوليَّة البناء، حتى عهد خادم الحرمين الشَّريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- وولي عهده الأمير الشَّاب محمد بن سلمان -حفظه الله-.
واليوم تدخلُ المملكةُ مرحلةً جديدةً من تاريخها، مرحلة عنوانها الطموح والتحوُّل والاستعداد لما بعد النفط.
ولذلك أقولُ في يوم الوطن: وطننا ليس ما ورثناه من الآباء والأجداد فقط، بل هو أمانة سنتركها لأبنائنا وأحفادنا. فلنحافظ على أمنه، ولنحمِ اقتصاده، ولنستثمر في إنسانه، ولنعمل جميعًا حتى يكون الغد أفضل من اليوم.
وكلُّ عامٍ والمملكةُ العربيَّةُ السعوديَّةُ آمنةً مستقرَّةً مزدهرةً، وكلُّ عامٍ ووطنُنا بخيرٍ.

أخبار ذات صلة