كتاب

ألطالينا

طارق علي فدعق 21 سبتمبر 2026 22:45 3 دقائق قراءة
عنوانُ المقالِ هو كلمةٌ إيطاليَّةٌ تعني «الأرجوحة»، وهو أيضًا اسم سفينة ارتبطت بالاسم الحركيِّ لزييف جابوتنسكي، مؤسِّس الحركة التحريفيَّة الصهيونيَّة، التي اتَّخذت العنف طريقًا لإنشاء الكيان الصهيونيِّ.
غرقت هذه السفينةُ قبالةَ شواطئ تل أبيب، في 22 يونيو 1948، وما تزال قصَّتُها جديرةً بالتأمُّل، خصوصًا بعدما أعلن رئيسُ وزراء الكيان بنيامين نتنياهو، خلال الشهر الماضي، دراسة انتشالها في مشروع يُتوقَّع أنْ تكون تكلفته فلكيَّةً. وكانت قصَّتُها من أهمِّ الوقائع في تاريخ الكيان الصهيونيِّ.
كانت «ألطالينا» قادمةً من ميناء مرسيليا، وتحملُ أكثرَ من تسعمئة يهوديٍّ، معظمُهم من المقاتلِينَ؛ بهدف المشاركةِ في حرب النكبة ضدَّ المدنيِّين في فلسطين، وضدَّ القوات العربيَّة متعدِّدة الجنسيَّات من فلسطينَ، ومصرَ، والمملكةِ، وسوريَا، والعراقِ، ولبنانَ، التي حاربت ببسالةٍ؛ لحمايةِ الشعب الفلسطينيِّ وأرضه. كما كانت الباخرةُ محمَّلةً بآلافِ البنادق، ومئات المدافع، وملايين الطلقات، ومئات الكيلوجرامات من المتفجِّرات.
لكنَّ المفارقةَ أنَّ قوات الكيان نفسها أطلقت عليها النَّار فأغرقتهَا، وقُتل في المعركة نحو عشرين مقاتلًا؛ أي أنَّ صهيونيًّا قتلَ صهيونيًّا. أمر بالهجوم ديفيد بن غوريون، أوَّل رئيس وزراء للكيان، وطلب لاحقًا الاحتفاظ بالمدفع الذي أغرق السَّفينة في متحفٍ خاصٍّ، بل أوصى بتخليدهِ بجانب المعبد المزعوم عند تشييده.
تعود جذور القصَّة إلى تعدُّد العصابات الصهيونيَّة المسلَّحة عام 1948؛ فـ«الهاجاناة» كانت بزعامة بن غوريون، الذي كان أوَّل رئيس وزراء للكيان، و«الإرغون» بقيادة مناحيم بيجن الذي كان سادس رئيس وزراء، و«شتيرن» بقيادة إسحق شامير الذي كان سابع رئيس وزراء.
وكان لكلِّ جماعةٍ دورها في العنف، لكن الخلاف السياسيَّ والعسكريَّ بين بن غوريون وبيحن بلغ حدًّا خطيرًا؛ إذ أراد الأوَّلُ توحيد السِّلاح تحت قيادةٍ واحدةٍ، والالتزام بقرار وقف إطلاق النار، بينما رفض بيجن تسليم حمولة السفينة بالكامل. وعندما وصلت «ألطالينا» إلى شواطئ فلسطين المحتلَّة، اندلعت المعركةُ وانتهت بإغراقها. ومع ذلك لم تتحوَّل الحادثةُ إلى حربٍ داخليَّةٍ مفتوحةٍ، فقد خاطب بيجن أنصاره عبر الإذاعة، وبدأ خطبته بالبكاء، مطالبًا بإنهاء الخلافات، وألَّا يرفعَ صهيونيٌّ السِّلاح ضدَّ أخيهِ.
العبرةُ من هذه الحادثة، ليست في التَّعاطف مع أطرافها، بل في ملاحظة أنَّ المشروع الصهيونيَّ، على دمويَّته، استطاع أنْ يفرض على أتباعه قاعدةَ توقُّف الاقتتال الداخليِّ كلَّما بدا أنَّه يهدِّد مشروعهم الأكبر. ومن هنا تأتي المفارقةُ المؤلمةُ حين تنزلقُ أطرافٌ تنتمي إلى الأُمَّة نفسها، إلى استهداف المقدَّسات، والمدنيِّين، وكأنَّ رابطة الدِّين، والجِوار، والتَّاريخ، لم تعد كافيةً لردعها.
أمنيـــة
لقد كشفت بعضُ التطوُّرات الأخيرة أحقادًا يصعبُ فهمها ضدَّ وطننا، ولا سيَّما حين تُطلقُ مسيَّرات نحو مكَّة المكرَّمة والمدينة المنوَّرة، أو تستهدفُ مدنيِّينَ آمنِينَ في مدن المملكة.
فهل يُعقل أنْ يمنعَ الصهاينةُ استمرارَ قتلِ الأخ لأخيه، في ذروة خلافِهم الدمويِّ، بينما تعجزُ بعضُ الأطرافِ العربيَّة والإسلاميَّة عن كفِّ أذاهَا عن المقدَّساتِ والمدنيِّينَ؟
أتمنَّى أنْ تسجَّل هذه الهمجيَّة بدقَّة؛ فسيأتي وقتٌ تقدَّم فيه الاعتذاراتِ والمبرِّرات، وإنْ شاءَ اللهُ لنْ يقبلَهَا العقلاءُ.. وحسبُنَا اللهُ ونعمَ الوكيلُ.
وهُو من وراءِ القَصدِ.

أخبار ذات صلة