هناك أشخاصٌ نمنحُهم من وقتنا، ونفتحُ لهم أبوابَنا، ونحاولُ أنْ نكون بالقرب منهم، ثم نكتشفُ بعد فترة أنَّ العلاقة لم تضف إلينا شيئًا، وأنَّ وجودنا بالنسبة إليهم لم يكنْ أكثر من مساحة متاحة وقت الحاجة. وفي مثل هذه العلاقات، أؤمن أنَّ الرَّحيل ليس قسوةً، بل وعي بقيمة الذات. إذا اكتشفتَ أنَّ الشخصَ الذي أمامَك لا يستثمرُ، لا يهمُّه تطوُّرك، ولا يسأل عن أحلامِكَ، ولا يفرحُ بما تحقِّقه، وربَّما لا يتذكَّركَ إلَّا عندما يحتاجُ شيئًا منكَ، فلماذا تتمسَّك بعلاقة تستنزفُكَ أكثر ممَّا تمنحكَ؟ مررتُ شخصيًّا بلحظاتٍ فضَّلتُ فيها الوحدة على الاختلاط بالآخرِين. وهذا الأمرُ لم يكنْ يشبهني كثيرًا؛ فأنا بطبيعتِي أحبُّ النَّاس والحديثَ وتبادلَ الأفكارِ، لكنَّني في مرحلة معيَّنة شعرتُ أنَّ الابتعاد أصبحَ أكثرَ راحةً من الاستمرار في علاقات لا تمنحُني الشعورَ نفسه الذي أمنحُه لها. كانت تلك الفترة مختلفة. جلستُ مع نفسي أكثر، وبدأتُ أستثمرُ في ذاتي، في أفكارِي، في عملِي، وفي الأشياء التي أحبُّها. والأهم أنني بدأت أقدِّر نفسي بعيدًا عن انتظار تقدير الآخرين. أحيانًا نحتاجُ إلى الابتعاد، لا لأنَّنا نكرهُ النَّاس، وإنَّما لأنَّنا نحتاج إلى سماع صوتنا من جديد. هناك لحظات في الحياة نتمنَّى فيها لو نستطيع العودة أطفالًا؛ إلى تلك الأيام التي كان فيها الفرحُ بسيطًا، والوقتُ أوسعَ، ولم تكن العلاقات تحملُ كلَّ هذا التَّعقيد. وربَّما كان هذا ما فعلته حين قررتُ أنْ أمنحَ نفسي فترةً أعيشُها بهدوءٍ، بعيدًا عن الضجيج، وكأنَّني أستعيدُ جزءًا صغيرًا من طفولتي. الوحدةُ ليست دائمًا فراغًا. أحيانًا تكون مساحةً لإعادة ترتيب الدَّاخل، واكتشاف ما نريدُه فعلًا، ومعرفة مَن يستحقُّ أنْ يبقَى في حياتنا، ومَن آن الأوانُ أنْ نغادرَهُ. لا تنتظر أنْ يستثمرَ الآخرُون فيكَ، حتى تعرف قيمتك. إنْ لم تجد مَن يقدِّر حضوركَ، فكنْ أنت أوَّل مَن يقدِّر نفسَكَ. * من النافذة: أحيانًا يكونُ أجملَ قرارٍ تتَّخذه أنْ تبتعدَ قليلًا عن الجميعِ؛ لتعودَ أقربَ إلى نفسِكَ.