كتاب

{فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون} (2)

د. محمد سالم الغامدي 23 سبتمبر 2026 23:28 3 دقائق قراءة
ونواصل الحديث عن المروِّيات الشرعيَّة البشريَّة التي لا تتوافقُ مع كتاب الله تعالى، الذي لَا يَأتِيهِ البَاطِلُ مِن بَينِ يَديِهِ وَلَا مِن خَلْفِهِ، ومِن تلك المرويَّات التي تخالفُ كتاب الله تعالى:
ما قِيل من مرويَّات البشر حول الصِّراط المستقيم، الذي وردَ ذكرُه في القرآن الكريم حين قالوا عنه إنَّه جسرٌ معلَّقٌ بين الجنَّة والنَّار يوم القيامة، هو أدقُّ من الشَّعرةِ وأحدُّ من السَّيف، وتحته جهنَّم، وحوله كلاليبُ، وكلُّ البشرِ تمرُّ عليهِ يومَ القيامةِ، بعضهُم يمرُّ كلمحِ البصرِ والبعضُ كالبرقِ، ثمَّ يتدرَّج المرورُ عليه حتى يسقط حاملُ الذنوبِ في جهنَّم، وهذا التَّفسير غير العقلانيِّ مثقلٌ بالخيالِ، وغيرُ صحيحٍ البتَّة.
والحقيقةُ أنَّ المقصودَ بالصِّراط المُستقيم هو الطَّريق إلى اللهِ، من خلال الابتعادِ عن كلِّ ما حرَّمه تعَالَى، والالتزام بأوامرِهِ، واجتناب نواهيهِ التي وردتْ في كتابهِ الكريمِ، والتي وردَ ذكرُها في سورةِ الأنعام في الآيات التَّالية (تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِ شَيْـًۭٔا وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًۭا وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُوا۟ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ ٱللهِ أَوْفُوا۟ ذَلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًۭا فَاتّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
كما اخترتُ عددًا قليلًا من الآيات التي ورد فيها ذكر الصِّراط المُستقيم مثل قول اللهِ تعَالَى: (إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ)، وقوله: (مَن يَشَأ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، وقوله: (يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، وقوله: (إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ)، وقوله: (وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).
أمَّا بالنسبة للمذاهب والشيع التي استحدثت في العصر العباسي بعد قرنين من الزمان، وبعد وفاة الرسول -عليهِ أُصلِّي وأُسلِّم- فكان الهدف منها سياسيًّا أكثر منه شرعيًّا، كونها استحدثت لضرب الدين الرباني من قبل الفرس واليهود، الذين تمكَّنوا من مفاصل الدولة العباسيَّة في تلك الفترة، وهنا حدث الكثير من العبث الشرعيِّ في دين الله، ولم يتوقَّف الأمر هنا، بل تحوَّلت هذه المذاهب الشرعيَّة إلى مذاهب سياسيَّة نشرت الحروب السياسيَّة والصِّراعات المذهبيَّة، حتى هذا اليوم، ولا يقول البعضُ إنَّ هذا فيه إنكار للحديث، فكلُّ حديثٍ يوافقُ كتابَ اللهِ فهو صحيحٌ، وكلُّ حديثٍ يدعُو الى القِيم فهو حديثٌ صحيحٌ؛ لأنَّ الرَّسول يقولُ: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ)، وهنا نتوقَّف عند مخالفتِهم لقولِ الله تعَالَى: (وَلَا تَكُونُوا۟ مِنَ المُشرِكِینَ * مِنَ ٱلَّذِینَ فَرَّقُوا۟ دِینَهُمۡ وَكَانُوا۟ شِیَعًا كُلُّ حِزبِۭ بِمَا لَدَیهِم فَرِحُونَ)، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ). ففي هذه الآيات الكريمة بيانٌ صريحٌ من الله سبحانه أنَّ من يفعل ذلك ليس لهم علاقة بما جاء به الرسولُ في كتابِ الله.
وحتمًا لا ينتهي الأمرُ عند هذا الحدِّ، بل طال الكثير من أمور الشَّرع الربانيِّ، لكن المساحة هنا لا تكفي.

أخبار ذات صلة