النماذجُ التي تستحقُّ التأمُّل، ذلك الشخصُ شديدُ الذكاء، سريعُ الالتقاط، بارعٌ في قراءة النَّاس، يعرفُ كيف يقترب؟ ومتى يصمت؟ وأين يضع كلمته؟ وقد يبدُو لمن حوله صاحب خبرة واسعة، مع أنَّ رصيده المهني قد لا يتجاوز تجربتَين أو ثلاثًا صنعت مهارته في الحركة أكثر ممَّا صنعت عمقه في الإدارة. والأغرب أنْ يلتقي هذا النموذج بشخصيَّة أخرى تحمل معها بقايا تجارب لم تنصفها، وانكسارات مهنيَّة قديمة تبحث عن تعويض متأخِّر عبر «فنتازيَّة استعراضيَّة» هنا لا نتحدَّث عن شخصين بعينهما، فهذه صورة تتكرَّر في مؤسسات كثيرة، وإنما عن تركيبة بشريَّة جديرة بالقراءة: دهاء يعرف الطريق، وحاجة نفسيَّة تبحث عن موقع يعيد إليها الشعور بالقيمة. الأول يجيد رسم الخريطة، والثاني يجد في الخريطة فرصةً لترميم شيءٍ قديمٍ، ومن هذا اللقاء قد يُولد تحالفٌ يبدو في ظاهره مهنيًّا، وتتحرَّك داخله دوافع لا علاقة لها دائمًا بما يقال على الطاولة. وللخبث أدواته، وأخطرها أنَّها أدوات جميلة في أصلها.. ابتسامة، ملاطفة، إنصات، طرح المزاح، سؤال عن الحال، اهتمام بالتفاصيل، احتواء في لحظة ضيق. ولا يجوز بالطبع أنْ نحوِّل هذه الصِّفات إلى قرائن اتِّهام، فالنّاسُ الأسوياءُ يمارسونها بصدقٍ كل يوم، غير أنَّ الخبيث يعرف قيمتها أيضًا، ويعرف أنَّ الوصول إلى الإنسان من باب ثقته أقصر من مواجهته من باب الخصومة؛ لذلك لا يبدأ مشروعه بإبعاد أحد، وإنَّما بالاقتراب منه، ولا يبدأ بجمع المواقع، وإنَّما بجمع النَّاس. ثمَّ تتكوَّن الدائرة بهدوء هذا قريب، وذاك مضمون، وثالث يمكن استمالته، ورابع يعرف معلومة، وخامس يستطيع تمرير فكرة. وبعد مدة قصيرة يتحوَّل التجمُّع إلى مرجعيَّة غير معلنة، ترى أنَّها تعرفُ مصلحة المكان أكثر من أهله، وتمنح نفسها حقَّ تصنيف الآخرين؛ هذا يصلح، وهذا انتهى، وهذا ينبغي أنْ يبقى في مساحة صغيرة، وذاك يجب أنْ يتقدَّم! ومَن يدقِّق في هذه الحالة يكتشف أنَّ أخطر ما في التحزب ليس اجتماع المصالح، فالمصالحُ تجتمع وتفترق، وإنَّما شعور أصحابه بأنَّهم حصلُوا بطريقة ما على تفويض لتحديد أحجام البشر. ومن خبرة السنين أقولُ إنَّ صاحب التجربة الحقيقيَّة يقلُّ عنده هذا اليقين كلَّما اتَّسعت معرفته. الذي عرف القطاع الخاص والعام، وتعامل مع أجيال مختلفة، وشاهد صعود أسماء واختفاء أخرى، يدرك أنَّ الحكم على الكفاءة أعقدُ من جلسة، وأنَّ تاريخ الإنسان المهني لا يختصر في رأي مجموعة، وأنَّ الموقع الإداري ليس شهادة تفوُّق تمنح حاملها حقَّ إعادة تقييم النَّاس. أمَّا التجربة القصيرة فقد تصنع أحيانًا ثقة ضخمةً لا تتناسب مع حجمها، خصوصًا إذا اجتمعت مع ذكاء اجتماعيٍّ مرتفع، وطموح لا يحب الانتظار. وأنا لا أرى في الطموح تُهمة، ولا في المنافسة عيبًا. ومن حقِّ أيِّ إنسان أنْ يبحث عن موقع أفضل، وأنْ يقدِّم نفسه، وأنْ يرى أنَّه أقدر من غيره، المؤسسات تموت إذا أغلقت أبوابها أمام المنافسة والتجديد، المشكلة تبدأ في الوسيلة فمن يعتقد أنَّه يستحقُّ موقعا فليذهب إليه بكفاءته، ومَن يرى خللًا فليضع رأيه على الطاولة، ومن يملك مشروعًا أفضل فليقدِّمه، أمَّا صناعة التحالفات لإضعاف الآخرين، ثمَّ تغليف الأمر بمفردات الإصلاح والتطوير ومصلحة العمل، فهي لا تمنح الفعل قيمة أخلاقيَّة لمجرَّد أنَّ الاسم جميل. وقد يكون من الطَّريف أنَّ بعض الخبثاء يملكون قدرةً استثنائيَّة على تبرئة أنفسهم أمام أنفسهم، لا يرى الواحد منهم أنَّه أقصى أحدًا، هو فقط «أعاد ترتيب المشهد». لم يستولِ على مساحة غيره، هو «صحَّح الوضع»، لم يصنع تكتلًا، هو «جمع المتفقِّين»، ولم ينتقص من صاحب تجربة، هو فقط «وضع كلَّ شخصٍ في مكانه المناسب». وهكذا تستطيع اللُّغة أنْ تتحوَّل إلى مغسلة واسعة للنيَّات، حتى يخرج التصرُّف منها نظيفًا في عين صاحبه وحده. لهذا أقول للجيل الجديد: إنَّ الحياة المهنيَّة ليست حديقة ورد، ولا ينبغي أيضًا أنْ تتحوَّل في عيونكم إلى غابة، ستجدُون الصادق والخبيث، الواضح والمراوغ، صاحب الخبرة وصاحب الصورة، ومن يريد أنْ يكبر بعمله، ومن لا يعرف طريقًا إلى الأعلى إلَّا بتقصير قامات الآخرين، لا تدخلُوا معركة مع كل مختلف، ولا تمنحُوا ثقتكم لكلِّ مبتسم. تعلَّموا فقط قراءة الأفعال، واتركُوا للزمن مهمَّة كشف البقية؛ فالزَّمن محرر قاسٍ، يحذفُ من الصورة كلّ ما أضافته العلاقات، ولا يبقي في النهاية إلَّا ما كتبه الإنسانُ بعمله. * نقطة تحت السطر: ليس أخطر الخبث أنْ يأخذ أحدهم مكانًا لا يستحقه، فالمواقع تتغير، الأخطر أنْ يصدق أنَّ ذكاءه في الوصول صار بديلا عن الخبرة، وأن نجاحه في إقصاء الآخرين منحه قامة أعلى منهم؛ فالكرسي يستطيع أنْ يرفع صاحبه عن الأرض قليلًا، لكنَّه لا يستطيع أنْ يضيف سنتيمترًا واحدًا إلى قامته.