منتدى

إنذار محبة

د. عادل المرزوقي 26 سبتمبر 2026 11:02 3 دقائق قراءة
لصفارات الإنذار رهبةٌ لا تشبهُ سائرَ الأصوات، فهي لا تستأذنُ السكونَ، ولكن تكسرهُ فجأةً، وتتسلَّلُ إلى المنازل قبل أنْ يصلَ إليها الخبرُ. وحين انطلقَ ذلك الصَّوتُ الحادُّ من هواتفِ النَّاس مُضيئًا الشَّاشات بتحذيراتٍ من تهديدٍ جويٍّ، وحاثًّا الجميع على الاحتماء والابتعاد عن النَّوافذِ، كان من المفترضِ منطقيًّا أنْ يحمل معه بعضًا من الخَوفِ. غيرَ أنَّ ما سرَى في أرجاءِ المنازل تلك اللَّيلة كان شيئًا آخرَ تمامًا، شيئًا يعجزُ الرادارُ والأقمارُ الصناعيَّةُ عن رصدهِ، ولا تقوى خرائطُ الحرب على قياسهِ، فلقد كان الوطنُ ذاتُه يستيقظُ في قلوب أبنائهِ.
بلغ الإنذارُ مكَّة بجوار البيت، الذي جَعلهُ اللهُ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا، وبلغ جدَّة بوابة الحرمَين الشَّريفين ونافذتهما على البحر. فبدت المفارقةُ موجعةً حدَّ السخريةِ، فأن تمتد يدُ التهديدٍ نحو سماء أطهر البقاع، التي ما فتىء العدو الحقيرُ الغاشمُ الادِّعاءَ الكاذبَ بالدِّفاع عنها. لكنَّ التهديدات قد تخونُ مُطلقِيها أحيانًا.. فقد تُرسَل محملةً بالخوفِ، لكنَّها تتخلصُ من تلك الرسالةِ في طريقهَا، ولا توصل سوى حقيقةِ عجزِ مرسليها، وزيفِ ادِّعاءاتِهم.
أمَّا في البيوت، فلم يكنْ الخوف هو ما يتنامَى، بل المحبَّة. امتدَّت الأيدِي نحوَ الهواتف، لا بحثًا عن مخرج للنَّجاة، بل تواصلًا مع الأحبَّة: أمٌ تطمئنُ على أبنائِها، وصديقٌ يسألُ عن صديقه، ودعاءٌ ينتقلُ من قلبٍ إلى قلبٍ. ثمَّ خفتت الشَّاشات، وعادت للمنازل سكينتهَا، ومضت المدنُ في ليلها بسلامٍ؛ وكأنَّ صافرةَ الإنذار لم تعلن عن اقتراب الخطر، بل همست في أذن أُمَّةٍ بأسرِها قائلةً أنتمُ أقربُ إلى بعضِكُم.
فقد أخطأ المُعتدي في تقديرِ المسافة. لقد عرفَ المسافةَ بين منصَّة الإطلاق والمدينة، لكنَّه لم يدركْ كيف يقيسُ المسافة بين السعوديِّ ووطنِهِ، ففي هذه الأرض، تكاد تلك المسافة تتلاشَى. فالوطنُ هنا ليس مجرَّد ترابٍ يقف عليه النَّاس، بل هو معنى يسكنُ فيهم، حدودُه هي أضلاعُهم، ورايتُه هي نبضُ صدورِهم وسماؤهُ تمتدُّ على مدِّ أبصارِهِم. وحين يقتربُ الخطرُ من حدودهِ، فإنَّه لا يهدِّد مجرَّد جغرافيا صامتة، إنَّها تخاطبُ ملايين القلوب التي تدرك بالفطرة حقيقةً مفادها أنَّ ما يمسُّ واحدًا يمسُّ الجميعَ.
وفوق تلك القلوب تمتدُّ سماءٌ يحرسُها جنودٌ حماةٌ ساهرُون، وعيونٌ تظلُّ يقظةً؛ كي تنعمَ المدن بالنَّوم، وأيدٍ تقفُ درعًا فاصلًا بين النيران العابرة، ونافذة طفلٍ غارقٍ في سباتهِ. وعليه لم يكن الهدوء السائد وليد استخفافٍ بالخطر، بل كان نابعًا من يقينٍ بأنَّ لهذا الوطن رجالًا ونساءً يذودُونَ عن سمائهِ، تمامًا كما أنَّ له شعبًا على الأرض يحمي جوهرَه وكيانَه.
لذا ارتدَّت الرِّسالة إلى مرسلها، وسترتدُّ دائمًا بالخيباتِ له، فما أُرسل لبثِّ الخوف، أوقد جذوةَ الحُبِّ، وما كان مقصودًا لتشتيت القلوبِ وحَّد شملَها، وما اعتبرهُ المُعتدِي إنذارًا لنا، عاد إليه بإنذارٍ أشدّ وطأةً، فيا أيُّها المُعتدي لقد طرقتََ الباب الخطأ، فهنا وطنٌ حدودُه أضلاعُ أبنائهِ، وما يسكنُ خلف تلك الأضلاع، أسمَى وأمنعُ من أنْ تطاله الصَّواريخُ.

أخبار ذات صلة