منتدى

المدارس المتكاملة.. هل تمثل بداية التحول الحقيقي؟

أ. د. هلال المسيلي الحارثي 30 سبتمبر 2026 23:23 3 دقائق قراءة
يشهدُ التَّعليمُ في المملكة مرحلةَ تحوُّل نوعيٍّ، لم يعد يقتصر على تطوير المناهج، أو تحديث البيئة المدرسيَّة، بل امتدَّ إلى إعادة بناء نماذج القيادة والإدارة، بما يعزِّز جودة التَّعليم، ويرفع كفاءة الأداء. ويأتي مشروع المدارس المتكاملة، الذي بدأت وزارةُ التَّعليم تطبيقه في عدد من إدارات التعليم، بوصفه أحد أبرز هذه التحوُّلات، حيث انتقل من مرحلة التَّخطيط إلى التَّنفيذ، مع فتح باب التَّقديم لشغل منصب المديرِ التنفيذيِّ.
وفي تقديري، فإنَّ أهميَّة المشروعِ لا تكمنُ في استحداث مسمَّى وظيفيٍّ جديدٍ، وإنَّما في إعادة صياغة مفهوم القيادة المدرسيَّة. فالنموذجُ الجديدُ ينقل العمل من إدارة كلِّ مدرسة بصورةٍ منفردةٍ إلى قيادة مجموعة من المدارس، تعمل ضمن منظومةٍ واحدةٍ تتشارك التخطيط، والموارد، والخبرات، والمسؤوليَّة عن جودة المخرجات التعليميَّة. وهذا التوجُّه يتوافق مع الممارسات العالميَّة التي أثبتت أنَّ العمل المؤسسيَّ التكامليَّ أكثر قدرةً على تحقيق التحسين المستدام من الجهود الفرديَّة المتفرِّقة.
وتؤكِّد الوثيقة التعريفيَّة للمشروع أنَّ المدرسة تحتفظُ باستقلاليَّتها وصلاحيَّات مديرها، بينما يتولَّى المديرُ التنفيذيُّ قيادة مجموعة المدارس، والإشراف على برامج التَّحسين، وتحليل مؤشِّرات الأداء، وبناء القدرات، وتعزيز الشَّراكات، وتنسيق الجهود بين المدارس، دون أنْ يحلَّ محلَّ مديرِ المدرسة، أو ينتقصُ من صلاحيَّاته. وبهذا يتحوَّل دور المدير التنفيذيِّ إلى قيادة مهنيَّة تقود التَّحسين على مستوى المجموعة، بينما يتفرَّغ مديرُ المدرسة بصورة أكبر لقيادة العمليَّة التعليميَّة داخل مدرسته، وهو ما يمثِّل جوهر التحوُّل في هذا النموذج.
ومن أبرز ما يميِّز النموذج الجديد، إعادة توزيع الأدوار؛ بما يرفع كفاءة الأداء. فالمديرُ التنفيذيُّ يقودُ الجوانب المشتركة بين المدارس، ويتابع الأداء المؤسَّسي، ويقود خطط التَّطوير واستثمار الموارد، بينما يركِّز مديرُ المدرسة على تحسين نواتج التَّعلُّم، وتطوير المعلِّمين، والإشرافِ التربويِّ، وبناء البيئة التعليميَّة. وهذا الفصلُ بين القيادة التشغيليَّة والقيادة التعليميَّة من شأنه أنْ يمنح المدرسة مساحةً أكبرَ للتَّركيز على رسالتها الأساسيَّة، وهي التعلُّم.
غير أنَّ نجاح المشروع لن يتحقَّق بمجرَّد إعادة الهيكلة، أو تغيير المسمَّيات، بل يتطلَّب اختيار قيادات تمتلك رُؤية إستراتيجيَّة، وخبرة ميدانيَّة، وتوفير الصلاحيَّات والأدوات اللازمة لها، وبناء ثقافة مؤسسيَّة تقوم على الثقة والتَّكامل والمسؤوليَّة المشتركة. كما يتطلَّب الاعتماد على البيانات في اتِّخاذ القرار، وقياس أثر المبادرات بصورةٍ مستمرَّةٍ، وربط التقويم بنتائج التعلُّم، وهي مبادئ أكَّدتها الوزارةُ ضمن حوكمة النَّموذج.
إنَّ نجاح مشروع المدارس المتكاملة لنْ يُقاس بعدد المديرِين التنفيذيِّين الذين سيُكلِّفُون، ولا بعدد المدارس التي ستنضمُّ إلى النموذج، وإنَّما بقدرته على إحداث أثرٍ حقيقيٍّ داخل المدرسة. فإذا أصبح مديرُ المدرسة أكثر تفرغًا لقيادة التعلُّم، والمعلِّم أكثر دعمًا وتمكينًا، والطالب أكثر تحصيلًا، فإنَّ المشروع سيكونُ قد حقق غايته. أمَّا إذا اقتصر على إعادة توزيع المهام والمُسمَّيات، فلن يتجاوز كونه تغييرًا تنظيميًّا محدود الأثر. ومن هنا، فإنَّ مشروع المدارس المتكاملة يمثِّل فرصة حقيقيَّة لإعادة تشكيل القيادة المدرسيَّة في المملكة، وتحويلها من قيادة تُدار بالتَّفاصيل اليوميَّة إلى قيادة تُقَاس بأثرها في جودة التَّعليم ومستقبل المتعلِّم.

أخبار ذات صلة